![]() |
| ![]() |
العائلة: نواة الوحدة
مصطفى إسلام أوغلو
ترجمة: مروة داغستاني بارسيك
يشكل التوحيد العمود الفقري للعقيدة الإسلامية وما يتمثل بالتوحيد على صعيد العقيدة يتمثل بالوحدة على الصعيد الاجتماعي. ومن هنا يمكننا القول بأن "التوحيد هو الوحدة العقائدية، وبأن الوحدة هي التوحيد الاجتماعي". إن "الوحدة" فيما يخص علاقة العبد بالله تعني (التوحيد)، والتوحيد فيما يخص علاقة العبد بالعبد يعني "الوحدة". تتجلى فكرة الوحدة لدى المؤمن كتعبير عن عقيدة التوحيد، والمؤسسة التي نطلق عليها اسم عائلة هي وحدة لأن تأسيس عائلة يكون باجتماع جنسين خلقا لبعضهما البعض.
إن النوع (الذكر والأنثى) موجود في أصل جميع الكائنات القادرة على التكاثر ويرجع أصل هذا الأمر لقانون القطبية المزدوجة الذي يخضع له عالم جميع المخلوقات. كل ما هو فرد خالق وكل ما هو ثنائي مخلوق. وبالنظر إلى قاعدة الخلق هذه فإن تأسيس عائلة يعني القبول بالكون مخلوقا والتسليم لهدف الخلق (ما خلق له). واحترام الخلق والفطرة يستوجب ذلك والحديث النبوي الشريف "الزواج سنتي ومن رغب عن سنتي ليس مني" يعبر في صميمه عن هذه الحقيقة فأكثر الناس من بين أفراد البشرية احتراما للخلق والفطرة هم الأنبياء الشخصيات الرائدة للإنسانية. وكلمة "سنتي" الواردة في الحديث الشريف تعني من كل بد "السنة الفطرية التي أتبع لها أنا أيضا".
لا يمكن تصور عدم وجود مؤسسة العائلة التي تعتبر ضرورة للخلق والفطرة، إذ أنه من غير الممكن في هذه الحالة الحديث أيضا عن حياة اجتماعية للإنسان بل وحتى عن بقائه لأنه لن يكون ممكنا استمرار نسله. لكن في الوقت ذاته لا يمكن تقليص استمرار النسل لعملية التكاثر الجنسي فقط فالإنسان ـ وكما يدل عليه اسمه ـ لا يستحق أن يطلق عليه اسم إنسان إلا عندما يؤسس أواصر الأنس مع الآخر ولا يمكن أن ينتسب لما هو "أنسي" إلا عندما يبتعد عما هو "وحشي" ويكون مستأنسا لأن الإنسان مخلوق اجتماعي وحاجته لرعاية واهتمام الوالدين لا تمكن مقارنتها بحاجة أي مخلوق آخر. فالرعاية والعناية اللتان تعتبران حاجة للمخلوقات الأخرى هما ضرورة بالنسبة للإنسان الذي لا تقل احتياجاته النفسية والعقلية والروحية أبدا عن احتياجاته البيولوجية. تعرض الآيتين الأولى من سورة النساء و13 من سورة الحجرات لهذه الحقيقة حيث تتضمن الأولى أحكاما عن العائلة وتحدثنا عن العملية البيولوجية لتكوين الأسرة التي يشكل الذكر والأنثى نواتها: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء" (1:4). أما الآية 13 من سورة الحجرات التي تتضمن أيضا العديد من الأحكام المتعلقة بالعائلة كسورة النساء فتتناول العملية الاجتماعية التي تفرز أقواما وقبائل وهي تستأنف من المكان الذي توقفت عنده الآية الأولى من سورة النساء: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (13:49). إن العنصرين المشتركين في كلتا الآيتين هما: "إن ثنائي الذكر والأنثى يشكل نواة العائلة" و"التقوى." يساعد العنصر الأول على البقاء البيولوجي والاجتماعي للإنسان أما الثاني فيساعد على بقائه المعنوي.
العائلة: إذا ما تداعى عنصر تهاوت باقي العناصر الأخرى
السؤال الأول الذي يتبادر للذهن هنا هو التالي: أي من عنصري العائلة التي تتألف نواتها من الزوج والزوجة هو من يضمن وقوفها على قدميها؟
للإجابة على هذا السؤال يجب علينا الرجوع إلى أصل كلمة عائلة. تستخدم هذه الكلمة للتعبير عن "أفراد العائلة المكلف شخص ما برعايتهم" وهي تفيد بأضيق معنى لها العلاقة بين الزوج والزوجة اللذان يستندان إلى بعضهما البعض. كما يشمل ذلك الأطفال والأقرباء الآخرين المكلف شخص ما برعايتهم بحسب درجة قرابتهم. الكلمة مشتقة من جذر عول/عائل التي تعني "الدعم والارتكاز". ولأن أحدهما "يرتكز" على الآخر يقال للكفة العليا من الميزان عول ويقال للمأوى والمسند إعالة لأنها تدعم ما هو أدنى منها، أما الشخص الذي يعتمد عليه ويتم الحصول على دعم منه فيقال له العول. انطلاقا من هذه المعلومات عن أصل الكلمة فإن أفضل تعريف للعائلة هو التالي: "أكثر من عنصر يحصلون على دعم بعضهم، يعتمدون ويستندون على بعضهم البعض، بتداعي أحدهم ينهار الآخر."
لا تصور هذه اللفظة، التي تعرف العائلة بأنها "سقف" مبني يحفظ تحته أفراد العائلة، الشكل الهندسي للعائلة كخطين مستقيمين متوازيين (||) بل كسقف "مثلث" (∆). في الحالة الأولى لا يستند الخطان الرئيسيان اللذان يشكلان العائلة إلى بعضهما البعض ولا يمكن لهما أن يكونا عائلة طالما أنهما لا يتساندان لأنهما يكونان أفرادا وهذا الأمر يكون كذلك حتى لو عاشا تحت سقف واحد. قد يكون بوسعهما حمل هذا السقف ولو بصعوبة لكنه لا يكون سقفا يحمي العائلة ويجعلها تقف على قدميها بل سقف يمسك ويحمي أفرادا موجودين تحته ينهار عندما يتعب الأفراد. أما في الحالة الثانية فإن الأفراد قد استحقوا أن يكونوا عائلة باستنادهم إلى بعضهم بعضا. في هذا الشكل الهندسي لا يستطيع أحد العناصر الوقوف إذا ما انهار الآخر فالرأسان الموضوعان جنبا إلى جنب ليتساندا قد أصبحا كرأس واحد أما بركتهما فهي ليست بركة رأسين بل بركة 11 رأسا وشأنهما في ذلك كشأن القدمين المرتبطين برأس واحد وانسجام العائلة متعلق بهذا الشكل الهندسي فلا تستطيع إحدى فردتي الحذاء أن تقول للأخرى "أنت بدوني لا شيء" فكلاهما يتساندان ويدعمان بعضهما كما لا تستطيع القول "أنت مدينة لي بوجودك" إذ ليس بمقدورها التحرك بشكل مستقل عن الأخرى فكلاهما يدركان أن السقف لا يمكن له البقاء مرفوعا إذا ما انفصلا عن بعضهما البعض. وهنا لا يبقى أبدا أي معنى في عقل بناه الوحي للسؤال التالي الذي يعتبر ضربا من ضروب ‘العبث’: "هل المرأة أعلى من الرجل أم الرجل أعلى من المرأة؟" لأنهما أزواج وكلمة زوج مفهوم قرآني يعكس معناه في الوقت ذاته مفهوم العائلة الذي يريد الوحي بناؤه. وهذه الكلمة مستخدمة في الآية الأولى من سورة النساء التي ذكرناها قبل قليل. لعل أجمل تعريف لكلمة زوج هو "كلا العنصرين اللذين يتمم بعضهما بعضا دون أن يحتل أحدهما مكان الآخر" وأجمل مثال على ذلك هي الجملة النموذجية "زوجا نعل" التي أوردها ابن منظور في كتابه لسان العرب. إن السؤال الذي طرحناه أعلاه لا يختلف عن سؤال مثل "هل القدم اليمنى خير من القدم اليسرى أم اليسرى خير من اليمنى؟" أو "هل فردة الحذاء اليمنى أفضل من اليسرى أم اليسرى أفضل من اليمنى؟".
وبالطبع ينطبق الأمر ذاته على نقاش "المساواة" الذي يكون محقا من يقول فيه "إذا ما كانا متساويين فلتلبس القدم اليسرى فردة الحذاء اليمنى ولتلبس القدم اليمنى فردة الحذاء اليسرى!". إن ذلك يكون إجحافا للقدم وللحذاء معا فهما "زوجان" ومحاولات مساواة بعض المتساوين ووضعهما في مرتبة واحدة لا تجعل منهما متساوين ومتماثلين ولا يمكن لها سوى أن تبعدهما عن كونهما كذلك ليصبحوا في نهاية المطاف غير متساويين وغير أزواج. أفضل تعريف في هذا الصدد هو التعريف القرآني بعضكم من بعض (195:3) الذي ورد في الآية 195 من سورة آل عمران بعد الحديث عن النساء والرجال الذين يعملون أعمالا صالحة. وقالب بعضكم من بعض لا يدل على العلو المطلق لأحد الجنسين ـ الذين يشكلان الجنس البشري ـ على الآخر بل يدل على "علو الأول في بعض النواحي عن الثاني وعلو الثاني في بعض النواحي عن الأول". إذا ما حاولنا شرح هذا العلو عبر "الشكل الهندسي للسقف" فإن دور العنصر الذي يمثل عمود الرجل في الأسرة يتمثل بالمُعتمَد و "المستند عليه (العائل) الذي يحمي ويحرس" (قوَّام) (النساء 34). أما المرأة فهي العنصر الآخر في سقف العائلة وهي المسند (العائلة) والملاذ للرجل الذي يستند إليها والمكلف بحمايتها ورعايتها وهي مكلفة برعاية نسلها من الرجل الذي أسلمته عفتها بعقد مقدس.
المنزل، مدرسة الشخصية
قلنا بأن الشكل الهندسي للعائلة ليس عبارة عن خطين مستقيمين متوازيين وإنما مثلث يستند بعضه إلى بعض. يمثل الزوجان الضلعان المستقيمان في المثلث ويمثل الضلع الأفقي "المكان" أي "المنزل" لأن العائلة هي كون (وجود) وهي من تجليات أمر كُن وكل كون بحاجة إلى مكان ولا يمكن للعائلة أن تكون بلا مكان والمنزل "هو ذلك المكان". يستخدم القرآن الكريم في هذا الخصوص كلمتي بيت ودار يعني جذر الأولى "مكان المبيت" أما الكلمة الثانية دار فتستخدم للدلالة على المكان الذي يدور فيه الناس ويتواجدون فيه باستمرار والذي يتمتع بجدار متين والذي يُدخل إليه ويُخرج منه ويستخدم في بعض الأحيان لأغراض اجتماعية. الخيمة هي بيت أما البناء الحجري فهو دار وكل خيمة بيت لكن وكما يفهم من عبارة "بيت الله" التي تطلق على الكعبة الشريفة ليس كل بيت خيمة. لقد استخدمت الكلمتين مع مرور الزمن مكان بعضهما وعلى الأغلب فإن أماكن مثل دار الأرقم ودار الندوة ودار الصفوة قد سميت دارا نظرا لوظائفها الاجتماعية.
على ضوء الآيتين 33 و34 من سورة الأحزاب يمكننا أن نخلص إلى نتيجة أن الوحي يدعو المرأة لتكون "متزوجة" و"ذات منزل" (evli) . وقد اكتسبت هذه الدعوة أهمية متزايدة بسبب المصائب التي جلبتها حداثة اللامنزل على الأفراد المعاصرين. إن المنزل الذي يدعو الوحي المرأة للجلوس فيه بوقارها ليس منزلا للكسل بل "منزل قرآن وحكمة" يُعلم فيه الوحي وتسوده الحكمة (33: 33 ـ 34) ومنزل كهذا هو حجاب ثان للمرأة المؤمنة وبالطبع يكون الحجاب في هذه الحالة المنزل الأول للمرأة المؤمنة. لهذا السبب فإن أمر التستر لم يكن أمر "لباس" بل أمر "سترة" فالملابس قد لا تستر في كل الأحيان فلباس يفتقر لشعور التستر سرعان ما قد يتحول بسهولة لعنصر متمم للعرض وهو ما ينبع عن عقل يرى اللباس "جلدا ثانيا"، أما عقل بناه الوحي فيرى اللباس منزلا ثانيا للمرأة يعكس شعور التستر.
لم يتجه النبي صلى الله عليه وسلم في بداية تلقيه الوحي إلى "الشارع" بل عاد إلى "المنزل" لأن المنزل هو الإجابة الشافية لسؤال "من أين يجب البدء؟" والنبي صلى الله عليه وسلم أيضا بدأ من هناك. يمكن طرح السؤال ذاته على النحو التالي: ما الذي يمكن فعله عندما يمتد ظلم فرعون إلى رحم الأمهات؟" والجواب الذي يقدمه الوحي على هذا السؤال واضح: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَ(إذا ما فعلتم ذلك فحينئذ) بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (بالنصر)." (87:10) ولقد كان دار الأرقم في مكة المكرمة يعمل عمل الدار الموصوف هنا لذا لم يكن عبثا أن يطلق عليه اسم دار الإسلام وهو الذي كان من أوائل المجيبين للدعوة المحمدية (ابن سعد، الطبقات).
المنزل الذي يصفه القرآن الكريم يعتبر أساسا "مدرسة الشخصية" تكون العائلة فيها طالبة وأستاذة في نفس الوقت ومنزل كهذا يستحق أن يكون فرعا للجنة في العالم أما منزل لم يستحق أن يكون كذلك فهو مرشح لأن يكون فرعا لجهنم في العالم. تدعو الآية التالية سائر المؤمنين لحماية عائلاتهم من جهنم وهي تدعوهم في حقيقة الأمر لحماية منزلهم من أن يكون فرعا لجهنم في الدنيا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ" (6:66) والرسول الكريم إنما يشرح لنا معنى هذه الآية الكريمة في حديثه الشريف: "كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته" (بخاري ومسلم).
نار وقودها الناس والحجارة… هنا يوصف منزل مع أهله والمواد المشيد منها. أن يكون الناس "وقودا" يدل على أنهم يحترقون ويحرقون شيئا آخر وإن قلبا غير مسؤول هو قلب قد تحول إلى حجر وإنسان تحول إلى حجر سيكون وقودا يحرق الحجر. وماذا يعني أن يكون الحجر وقودا؟ إذا ما خطر ببالك أيها الإنسان أن "وقود جهنم لا بد وأن ينفذ في يوم من الأيام وبأنه طالما كانت هناك حياة أبدية في الآخرة فلا بد أن يأتي يوم وينتهي فيه هذا الوقود" فتذكر أن الوقود هناك لن ينفذ دون أن تنفذ جميع الحجارة في الدنيا. إن الوضع الذي سيكون عليه في الآخرة الأشخاص الذين لا يتحملون مسؤولياتهم والذين تُحدثنا عنهم الآية 6 من سورة التحريم يجب تصوره على ضوء الآيات التالية: "يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ" (80: 34 ـ 36). لا تشير هذه الآيات الكريمة إلى أن المرأة ستفر من زوجها بل على العكس تقول بأن رب المنزل سيفر من زوجته وأطفاله أما سبب فراره فهو عدم تلبيته أمر "قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ" والأشخاص الذين سيطاردونه هم أفراد عائلته الذين سيحاسبونه قائلين "لماذا لم تتحمل مسؤوليتك تجاهنا؟". إنه سيفر من عائلته في الآخرة لأنه لم يتحمل مسؤليته تجاهها في الدنيا.
الجنة تحت أقدام الأمهات وليست تحت أقدام النساء
كل من الجنسين الذكر والأنثى كان "امرأة" و"رجلا" قبل تأسيسهما سقف العائلة وهما يصبحان "زوجا وزوجة" بعد ذلك. وعندما يؤتي هذا السقف ثمارا تتغير الصفات الرئيسية لسقف العائلة وتتقدم خطوة نحو الأمام ليصبح الرجل والمرأة أبا وأما. تؤسس الأسرة التي تنجب أطفالا مثلثا صغيرا داخل مثلث العائلة الكبير، ويطور ذلك المثلث بناءً داخليا تقدم فيه الأم "دعما" للطفل الذي يكون في نفس الوقت "سندا" لها. عندما تترفع المرأة داخل العائلة إلى مرتبة أم يصبح مقامها أيضا "أم المقامات" وما الذي يمكن له أن يشرح لنا أهمية هذا المقام أفضل من الحديث النبوي الشريف: "الجنة تحت أقدام الأمهات". (النسائي، جهاد 6). إن الرفعة هنا للأمومة وليست للأنوثة.
إنه لمن الغرابة بمكان أن الأمومة التي يرفعها عقل بناه الوحي تمتهنها العقول التي يبنيها الزمن المعاصر ونتيجة لهذا الامتهان احتل الكلب مكان الطفل والفندق مكان المنزل والصحبة مكان الزواج والمتعة مكان الخير. ولم يقف الأمر عند هذا الحد إذ باتوا "يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ" (2: 102) بالعولمة وسحر المتعة. وتعدى الأمر هذه الحدود وبات يُباعد أكثر فأكثر بين المرأة والرجل. يشكل ثنائي المرأة والرجل في عقل المسلم الذي بناه الوحي أزواجا وليس أضدادا والفرق بين الاثنين هائل فالأزواج لا يمكن لأحدهما أن يكون موجودا دون وجود الآخر أما الأضداد فأحدهما يختفي عند تواجد الآخر. إن العقل الحديث يحاول أن يجعل من ثنائي المرأة والرجل ـ اللذان هما أزواجا ـ أضدادا. وهذا التصور هو مصدر كافة المصائب التي تنتظر العائلة وهو الذي يكمن وراء الحركة النسائية والتيارات المضادة التي ظهرت كردة فعل عليها وهو أحد أسباب الانحرافات الجنسية والميل للجنس نفسه.
العائلات النموذجية في القرآن الكريم
لا تقتصر الأمومة في عالم مفاهيم الوحي على رابطة الدم فقط فأصل كلمة أم تتجاوز حدود رابطة الدم لتشمل رابطة الدين أيضا ومفهوم "أمة" الذي يعني العائلة العالمية والكبيرة للإسلام هو كذلك. فهذه الكلمة تعني مجتمعا مثاليا رائدا يرأف بالإنسانية حنونا محبا ومساعدا كالأم. وكلمة "إمام" التي تطلق على زعيم الأمة مشتقة أيضا من الجذر نفسه. والتأكيد اللغوي لمفهوم الإمام الذي يعني "القائد، الزعيم، الرئيس" هو تأكيد على المقام الأخلاقي المرتكز على الرأفة والرحمة أكثر من أن يكون مقاما سياسيا يعتمد على القوة والسلطة.
كما يحدثنا القرآن الكريم عن شخصيات مثالية نموذجية يحدثنا كذلك عن عائلات مثالية ونموذجية فالآية 33 من سورة آل عمران "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ" تتحدث عن اختيار فردين وعائلتين الفرد الأول هو آدم الذي يعني اختياره اختيار بني آدم. لقد اختير بني آدم الذي كان بشرا من بين سائر المخلوقات ونفخت فيه الروح التي تمثل العقل والإرادة وأعطيت له مسؤولية حمل الأمانة الإلهية. وهنا يجب التذكير بأن إحدى مكافآت آدم لدى قبول توبته كانت "الزوجة". والرسالة هنا واضحة: إذا ما كان بني آدم يريد الوصول إلى جنته المفقودة فإنه يتعين عليه أولا تأسيس "عائلته". الفرد الثاني الوارد ذكره في الآية الكريمة هو نوح عليه السلام الذي اختير من بين سائر البشر وحمل مسؤولية أن يكون الحلقة الأولى في الرسالة الإلهية. لنأتي الآن إلى العائلتين المختارتين.
العائلة الأولى هي "عائلة إبراهيم" التي تتألف من إبراهيم وزوجته سارة وابنه إسماعيل ووالدته هاجر وابنه إسحاق وابن أخيه لوط عليهم السلام الذين ترد قصصهم في القرآن الكريم. إن قصص العائلة النواة المؤلفة من إبراهيم وهاجر وإسماعيل عليهم السلام لم ترد كلحظة عاشت وانتهت واندثرت في التاريخ بل لقد اجتازت حياة عائلة إبراهيم آلاف السنين وانتقلت إلى حياة كافة المؤمنين عبر فريضة الحج فكل من يتوجه إلى الحج مدعو ليمثل مرة أخرى دور هذه العائلة النموذجية وينقلها إلى حياته إذ يُطلب منه أن يمثل الآن وهنا دور الأب إبراهيم والأم هاجر والابن إسماعيل. وما ذلك سوى مكافأة من الله على قبوله الحياة النموذجية الملحمية التي عاشتها عائلة إبراهيم عليه السلام ومن خلال هذه المكافأة الإلهية يُوعظ المؤمنون عبر كافة الأزمان بتأسيس عائلات نموذجية على غرارها.
العائلة النموذجية الأخرى الواردة في الآية القرآنية هي "عائلة عمران" التي تتألف بأوسع أشكالها من الجد عمران، الجدة حنة، الابنة مريم، الحفيد عيسى، العمة إليشا (إليزابيث)، الزوج زكريا وابنه يحيى. إن قصة الثلاثي حنة ـ مريم ـ عيسى عليهم السلام الذين يشكلون نواة هذه العائلة تقدم حلا قرآنيا لمسألة الزعامة وهي قصة "نذر وتضحية ممتدة عبر ثلاثة أجيال" وهي تظهر بأن مكافأة تقديم قربان لله والكون قربانا له تعالى إنما تكون عبر تربية خاصة من الله مليئة بالعبر وهي تقول لمحدثيها "انقلوني إلى عصركم! أحيوني مجددا في زمانكم."
أكبر عائلة: عائلة الإيمان
يقدم القرآن الكريم لقارئه حياة عائلات نموذجية طالبا منه في حقيقة الأمر نقل تلك النماذج إلى حياته. ولقد كان أول شخص بناه الوحي والشخص الأول الذي خاطبه هو رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي طبق هذه النماذج في حياته وقدم كإبراهيم عليه السلام وعائلته تماما نموذجا يحتذى (أسوة). وهو لم يقدم القدوة الحسنة لكافة المؤمنين بشخصيته النموذجية وحسب بل بعائلته النموذجية أيضا. ولعل هذه هي الحكمة التي تكمن وراء تسلمه الرسالة والوحي بعد أن أصبح زوجا وأبا خبيرا. إن محمد عليه أفضل الصلاة والسلام لم يكن شخصية نموذجية كزوج وأب فقط بل كان كذلك أيضا كابن أخ وصهر وحمو وجد وفي مختلف صفاته العائلية الأخرى. لقد ربى عائلته كعائلة نموذجية ولم يتوانى عن تقديم هذه النموذجية لتستفيد منها الأجيال اللاحقة ولهذا السبب أتيحت لنا فرصة التعرف على حياته العائلية بشكل أكثر تفصيلا من حياة عائلاتنا.
إن الرسول الكريم لم يجعل العائلة مقتصرة على رباط الدم فحسب بل بات كافة المؤمنين "عائلة إيمان" تمتد حتى إبراهيم عليه السلام وحتى قيام الساعة... ونحن في تحية صلواتنا ندعو لجدنا بالإيمان إبراهيم عليه السلام قبل الدعاء لجدنا بالدم... وهذا بعينه ما فعله محمد عليه السلام حينما قال لسلمان الفارسي الذي كان بعيدا كل البعد من حيث الدم والعرق "سلمان منا، من أهل بيتنا" ووسع بذلك حدود العائلة لتشمل رابطة الإيمان. في واقع الأمر يمكن فهم قول النبي عليه السلام "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" بأنه يعني ضمنا أن "الإرث الذي يخلفه الأنبياء هو رسالتهم وبأنهم تركوها لأمتهم التي تعتبر أسرتهم الكبيرة". ونرى الحساسية ذاتها لدى مصعب بن عمير الذي قال عند رؤيته شقيقه بين أسرى بدر "إن شقيقي اليوم ليس أنت (الذي تحارب الآن ضد الله) بل هذا الشخص الذي أسرك!".
إن الدستور الإلهي "إنما المؤمنون أخوة" يجبر أساسا كل مؤمن على أن يكون أخا وبالتالي الدخول في عائلة الإيمان. وهنا يجب التذكير بالحديث النبوي الشريف "لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا". ومعنى الحديث هو أن أحد أهداف الوحي على وجه البسيطة هو تشكيل أكبر عائلة في العالم بالتفافها حول إيمان واحد. ويمكننا تشبيه هدف الوحي هذا بشجرة طوبى التي أصلها في الجنة وفروعها في الدنيا. وبذرة هذه الشجرة هي العائلة وعدوها التفرقة وسماؤها الوحدة وماؤها الرحمة.
توازي مكانة وحدة الجماعة في الإسلام مكانة التوحيد في العقيدة الإسلامية تماما وكل عائلة هي خطوة مباركة نحو الوحدة تحمل وعي التوحيد.
İzinsiz ve kaynak gösterilmeden kullanılamaz. Ancak kaynak gösterip link vererek kullanabilirsiniz.