![]() |
| ![]() |
مقال العدد
حبا للأخوّة
مصطفى إسلام أوغلو
ترجمة: مروة داغستاني بارسيك
التوحيد والأخوة
ما النقطة التي تنطلق منها وتصل إليها مسألة الأخوة؟ من أين يجب البدء بالحديث عن هذا الموضوع وإلامَ يجب إسناده؟ ما هي ‘أصول الأساس’ التي تنشأ منها هذه المسألة وما هي ‘أقصى الغاية’ التي تصلها وترجع إليها؟
ثمة إجابة واحدة يمكن تقديمها على هذه الأسئلة ألا وهي: التوحيد. أجل فالتوحيد هو أصول الأساس وأقصى الغاية في مسألة الأخوة.
الله واحد أحد. كلمة واحد تعني ‘الفرد’ الذي لا شريك له، أما كلمة أحد فتعني ‘الفرد’ الذي لا مثيل له. وكلتا الكلمتين تدللان على فردية الله المطلقة الأبدية وعلى وحدانيته التي لا مثيل ولا نظير لها.
في هذه الحالة ماذا يعني "توحيد" المطلق؟ وهل تصاب وحدانيته بأي خلل إذا نحن لم نوحده؟ إن أحادية المطلق ووحدانيته لا تتأثران قيد أنملة حتى وإن انحرفت كافة الموجودات التي تتمتع بالإرادة إلى الشرك. فهو ليس وجودا مشتركا ليتشتت، وليس مركبا ليتفكك، إنما هو صمد لا يزيد ولا ينقص.
إذا ما هي غاية التوحيد؟
إن غاية التوحيد هي توحيد الإنسان وتجميعه لأن الإنسان يتشتت ويتفكك وينقسم إذ ينفصم شعوره عن أفكاره، ومعناه عن مادته، وروحه عن بدنه، وقلبه عن عقله، وآخرته عن دنياه. وعندما تنفصم هذه الأشياء يفقد الإنسان خاصية التوحيد لأن الإنسان الموحد لا يتشتت ولا يتفكك ولا يتجزأ. وعملية التوحيد فرصة نادرة للملمة الإنسان المشتت، وتجميع الإنسان المفكك، وتوحيد الإنسان المقسم.
تُعبّر كلمة الشهادة لا إله إلا الله عن التوحيد. فهذه العبارة المباركة بمثابة مفتاح لسائر الوجود وهي تتألف من شطرين أولهما لا إله الذي يعني أنه "ليس هناك أي إله"، وثانيهما إلا الله الذي يعني "ليس هناك سوى الله". العبارة الأولى عبارة نفي/سلب والثانية عبارة إثبات/إيجاب. إن كلمة التوحيد بشطريها تبني تصورنا عن الوجود.
الوجود عبارة عن كلمة التوحيد. وهذا معنى قول النبي عليه السلام بأن كفتها ترجح على كفة السموات والأرض في ميزان الله. إن سر كلمة التوحيد يتجلى في كل شيء من الذرة إلى الكرة ومن الحبة إلى القبة.
يُعبر القطب السالب في الذرة النيترون عن النصف الأول لكلمة التوحيد، أما القطب الموجب البروتون فيعبر عن نصفها الأخير. والقوة النابذة التي تضمن لكافة الموجودات الكونية حركة منتظمة في الفلك تعبر عن النفي، وقوة الجاذبية عن الإثبات. الشتاء يعبر عن النفي، والربيع عن الإثبات. العدم نفي، والوجود إثبات. الموت نفي، والحياة إثبات. الفساد نفي، والكينونة إثبات. الانشقاق نفي، والانفطار إثبات. الإنكار نفي، والإيمان إثبات.
الشرك ضد التوحيد. والشرك يعني تجزئة الحقيقة، وتجزئة الحقيقة وإن كانت ذهنية فقط تجلب غضب الله. إن عقيدة توحيدنا تجاه الخالق تحدد تصورنا تجاه المخلوقات والأمر ذاته ينطبق على الشرك أيضا.
أخوة المخلوقات
الوحدة هي المقابل الاجتماعي للتوحيد، والتفرقة المقابل الاجتماعي للشرك. وبعبارة أخرى فإن التوحيد وحدة عقائدية والوحدة توحيد اجتماعي.
الأمر كذلك تماما فالشرك أيضا تفرقة عقائدية، والتفرقة شرك اجتماعي.
الوحدة أشمل تعبير عن الأخوة، وأشمل وحدة هي أخوة المخلوقات. كلمة قارديشليك (أخوة) باللغة التركية مشتقة من كلمة "قارنداشلك" والتي تعني "تقاسم نفس البطن والولادة من نفس الرحم". إن تقاسم البطن/الرحم ذاته يربط شخصين بصلة قربى هي "الأخوة". لقد قال الرسول الكريم إن "الرحم شجنة من الرحمن". إذا ما كان رحم الأم شجنة (شعبة) من الرحمة اللامتناهية لله الرحمن الرحيم فإن المكان الذي تتبع إليه تلك الشجنة هو الرحمة الإلهية. وهذه الرحمة الإلهية تعتبر بمثابة رحم المخلوقات. لقد وُجد الوجود بفضل هذه الرحمة وتكوّن الكون في أحضانها. ومثلما يجعل تقاسم الرحم ذاته متقاسميه "إخوة من الناحية البيولوجية" فإن تقاسم ‘رحم’ الرحمة الإلهية التي لا يدركها عقل يربط بين المخلوقات بـ "إخوة أونتولوجية".
بالنظر من زاوية الوحي نرى أن المخلوقات إخوة من نواحي أربع:
1- من ناحية أنها مخلوقة: ويعني التقاء المخلوقات في قاسم الخلق المشترك. فالمخلوقات وإن اختلفت في مظهرها هي واحد في جوهرها لأن الماهيات هي ذاتها. وعلى اختلاف هوياتها قد لمستها جميعها يد قدرة الخالق ووجدت بفضل ذلك وكلها متساوية من حيث أنها مخلوقة وبحاجة إلى الخالق. وكما أنها بحاجة لخالقها كي توجد فهي بحاجته أيضا لتواصل هذا الوجود. والبحر الذي انفلق لموسى والنار التي كانت بردا وسلاما على إبراهيم عليهما السلام إنما قاما بما أملته عليهما أخوة المخلوقات.
2- من ناحية أنها مملوكة: إن المخلوقات إخوة من حيث أنها مملوكة لله تعالى وأن يكون "المملوك ذو ملك" لا يغير هذه الحقيقة. فالإنسان أيضا مملوك له، هو وما يملك... لهذا السبب لا يختلف الإنسان عن الحجر من حيث الملكية لله. ولا يمكن فهم موقف رسول الله (ص) الذي كان يزور جبل أحد وكأنه يزور صديقا لوالده والذي قال عندما سئل عما يفعل "جبل أحد يحبنا ونحبه" (بخاري، كتاب الجهاد والسير، 102)، لا يمكن فهم هذا الموقف إذا ما تجاهلنا حقيقة كون المخلوقات إخوة من حيث أنها مملوكة. إذ يمكن فهم أن يحب الإنسان جبلا لكن أن يحب الجبل إنسانا حقيقة لا يمكن فهمها إلا في إطار أخوة المخلوقات. وأيضا سئل رسول الله (ص) عن سبب حسره ثوبه عندما أصابه مطر شديد فأجاب قائلا "لأنه حديث عهد بربه فأردت التبرك به" (أبو داود). وتصرفه هذا أيضا لا يمكن فهمه إلا في إطار أخوة المخلوقات من حيث أنها مملوكة.
3- من ناحية التسبيح: ثمة حقيقة يتحدث عنها القرآن الكريم ألا وهي أن الوجود بأسره يسبح لله. إن كلمة تسبيح ـ وكما يدل عليه جذرها ـ تعني التحرك باسم الله خالقها وكافة الموجودات إخوة من حيث أنها تتحرك باسم الله خالقها. وهذه الأخوة هي أخوة تسبيح وهو ما يعني أن الوجود كله يتحرك باسم الله، والكلام الإلهي عن سجود الشمس والجبال ينبغي فهمه هو أيضا في هذا السياق. فكل مخلوق يواصل وجوده لما خُلق له هو في حالة تسبيح وهكذا فإن اجتثاث عشب دون سبب يعني منع تسبيحه كما أن إنهاء حياة مخلوق دون سبب يعني الشيء ذاته. وما وجود الإنسان الذي هو عضو عاقل ذو إرادة في المخلوقات باستثناء عن ذلك. حتى وإن كان الإنسان منكرا فإن كل خلية في جسمه تنضم للكورس الإلهي مسبحة خالقها لذا فإن إنكار الإنسان ليس إنكارا لله فحسب بل هو إنكار لذاته أيضا.
4- من ناحية الفناء: إن النقطة المشتركة للمخلوقات أمام الله الباقي هي كونها فانية. فالمخلوقات إخوة في قاسم الفناء المشترك الذي يتحد مع قاسم الافتقار المشترك والذي يعني "حاجة كافة المخلوقات لموجِدها كي تكون موجودة". لهذا السبب فإن افتقار (حاجة) المخلوقات إلى الله هو افتخار. المخلوقات فقيرة والخالق غني. أولم يقل لنا رسول الله عليه السلام إن فقره فخره؟ وأي فخر يمكن له أن يوازي فقر العبد إلى الله؟
كيف يمكن لبنيّ آدم أن ينكروا الأخوة التي بينهم رغم كونها حقيقة قرآنية وأمرا مسلما به من النواحي الأربعة المذكورة أعلاه؟
أخوة الإنسان
الإنسان محتاج بالفطرة لأناس آخرين كي يتمكن من بناء الأنس مع ذاته ولهذا السبب أطلق على الإنسان اسم ‘إنسان’ المشتق من جذر أنس.
الإنسانية عائلة واحدة وهذه العائلة نشأت من الأصل نفسه وهذه الحقيقة يلفت إليها القرآن الكريم في الآية التالية: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات 49/13).
نحن هنا أمام خطاب يبدأ بكلمة "يَا أَيُّهَا النَّاسُ!" وهذا الخطاب صادر عن جهة عليَّة ولا يمكن لفرد من الناس القيام به لأنه أمر لا يليق سوى بالخالق وحده فقط.
إن الآية الكريمة تخاطب الإنسان ‘الآن وهاهنا’ وموضوعها ليس أصل الإنسان بل الموقف الأخلاقي للناس تجاه بعضهم بعضا. والإخلال بهذا الموقف لا يعتبر تصرفا غير مسؤول من إنسان تجاه الآخر فحسب بل هو أيضا تصرف غير مسؤول من الإنسان تجاه الله. والآية الكريمة تصف انعدام المسؤولية هذا بتصنع الإنسان التفوق على آخر بسبب أصله البشري كالقوم أو القبيلة. إن الله الذي خلق الإنسان يسجل هذا التصرف كانحراف مذكرا الإنسان بوحدة أصله ويبين أن سبب جعله الناس أقواما وقبائل مع مرور الوقت رغم وحدة أصلهم هو مجرد "التعارف" فقط.
يكمن مغزى الآية الكريمة في عبارة "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" فهذه العبارة تشير بأوضح الصور إلى الحقيقة التالية: يا بني آدم! لا تدعي لنفسك التفوق بسبب بعض الأمور التي لم تخترها بنفسك كالعرق واللون والجنس! فلا أحد يختار عرقه أو لونه أو جنسه وإنه لمن المضحك أن يتفاخر الإنسان بشيء لم يختره. إن معيار التفوق الوحيد عند الله هو التقوى لأنها ترجع برمتها لاختيار الإنسان.
يستخدم القرآن الكريم كلمة "إخوة" (أَخُوهُمْ) لدى حديثه عن الأنبياء الذين أرسلوا لأقوامهم الناكرين. فعلى سبيل المثال تحدثت سورة الشعراء عن نوح وهود وصالح وشعيب عليهم السلام كإخوة لأقوامهم. مما لا شك فيه أن أخوة الأنبياء لأقوامهم لم تكن أخوة إيمان بل أخوة إنسانية فهذه الأقوام وباستثناء نذر يسير منها أصرت على إنكار دعوات الأنبياء وهلكت.
قال علي رضي الله عنه في إحدى الرسائل التي خطها لواليه مالك الأشطر وطلب منه فيها إحسان معاملة من هم تحت إمرته هذه الموعظة المعبرة: "الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".
الإنسان أكرم ما خلق الله وفيه نفحة منه. لا يمكن لمؤمن أن يتخذ من اختلاف المعتقدات ذريعة للحط من شأن إنسان آخر فالمؤمن عبد لا يمكن له تجاهل النفحة العظيمة التي وضعها الله في الإنسان كما لا يمكن له تجاهل قاسم الإنسانية المشترك وهو ينأى بنفسه عن فعل ذلك للميت وليس للحي فقط. فلنذكر كيف وقف رسول الله (ص) وقفة احترام عند مرور جنازة يهودي من أمامه وكيف أجاب من قالوا له "يا رسول الله إنها جنازة يهودي" هذه الإجابة المعبرة: "أليست نفسا؟" (البخاري، كتاب الجنائز، 49/71). أوليس هذا سبب القول بأن رسول الله عليه السلام قد أرسل رحمة للناس (للعالمين) أجمعين وليس للمؤمنين منهم فقط؟ وإلا فكيف لنا إذا أن نفهم الآية التالية: "لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (الشعراء 26/3). فعلام تدل هذه الآية إن لم تكن تدل على مدى شغف رسول الله (ص) بالسعادة الأبدية لإخوة الإنسانية؟
إن هو هذا سبب قول نبينا (ص) ‘كل إنسان عالم قائم بذاته’ فلقد قال عليه السلام لعلي رضي الله عنه قبل إرساله قائدا لغزوة خيبر: يا علي! لئن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس (من أي مكان تفتحه وتسلمه لي) (بخاري، كتاب الجهاد، 4/58؛ مسلم، كتاب فضائل الصحابة، 2406). كما أن الرسول (ص) وبخ أسامة بن زيد على قتله رجلا في إحدى ساحات المعارك نطق الشهادة بعد أن تمكن منه زيد لأن هذا الأخير شكك في نيته. وما توبيخ النبي لزيد إلا دليل على حساسيته تجاه "الإنسان" (بخاري).
العصبية والعرقية
يعد النبي عليه السلام كل ادعاء بالتفوق فيما خلا التقوى "تعصبا". "ليس منا من دعا إلى عصبية" (أبو داود، كتاب الأدب 122؛ مسلم، كتاب الإمارة 57). اشتقت كلمة عصبية من كلمة أعصاب التي أخذت اسمها هذا لأنها تحيط بالجسد كله وتربطه. كما يُقال للقطيع أيضا عصابة. فالعصبية تجعل الإنسان كالقطيع وتحول دون تمتعه بشخصية منفردة وهي أيضا تطوق الشخصية وتمنع تطورها. إن العصبية تجعل الهوية تطغى على الفردية وتأسرها وتوقف عملية نموها.
للعصبية ألف شكل وشكل فهناك عصبية العرق وعصبية اللون وعصبية الجنس وعصبية المذهب وعصبية المشرب وعصبية الطريقة الدينية وعصبية المدينة وعصبية الدولة وعصبية القومية وعصبية الجماعة... وهنا يجب عدم الخلط بين أمرين: أن يكون المرء من عرق ما أو أن يكون متعصبا لعرقه، أن يكون من مذهب ما أو أن يكون متعصبا لمذهبه، أن يكون من جماعة ما أو أن يكون متعصبا لجماعته... الأولى مشروعة أما الثانية فغير مشروعة. أن يكون المرء من عرق ما هو أمر تقتضيه الفطرة ولا يستوجب ذما أو مديحا لكن أن يفاخر المرء بعرقه لهو أمر مذموم بل هو التعصب العرقي بعينه.
كما لكل جميل جنية للانحراف أيضا جني. وجني التعصب العرقي هو إبليس لأنه عندما أمر بالسجود لآدم قال "أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ" وكانت ذريعته "خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ" فأصبح شيطانا. هذه الذريعة تظهر أن التعصب العرقي للشيطان استند إلى مادية بدائية لأنه عندما عصى أمر الله كان يقارن بين المواد الخام ويبني مزاعم تفوقه على أساس هذا القياس الفاسد وما فعله يعتبر ذروة العبودية للمادة. وما يفعله الذين يؤكدون تفوق عرقهم على الأعراق الأخرى لا يختلف عما فعله الشيطان والأمر نفسه ينطبق على كل أنواع التعصب.
أحد أشكال التعصب هو التعصب للون البشرة. إن المسلم في هذا الأمر مصاب بعمى الألوان تماما فهو لا يعبأ بلون البشرة على اختلافه إلا في إطار "التعارف" فقط. فتحميل لون البشرة معنى آخر أبعد من ذلك يتناقض مع الإيمان والأمر نفسه ينطبق على التعصب للجنس والبلد وكافة أنواع التعصب الأخرى.
ينطوي التعصب في أساسه على عدم قدرة تحمل الاختلافات رغم أنها وحسب القرآن الكريم آيات. وإذا ما فكر الإنسان جيدا يسعه الوصول لهذه النتيجة بالعقل السليم أيضا فلو أن كل الناس كانوا نسخة واحدة لما تحرك أحد للتعرف على الآخر لأن ما نسميه "تعارفا" كان سيفقد معناه في هذه الحالة. ولو كانت كل الوجوه متماثلة لما شعر أحد في عالم كهذا بالفضول لرؤية وجه الآخر ولفقد وصف "جميل" معناه. ولو كانت كل تلك الوجوه أحب الوجوه إلى قلب المرء لما تمكن أحد من تعريف الجمال ولما تمكن من إطلاق صفة "جميل" على أي وجه. ولو كانت كل الزهور هي عينها لأصبح عالم كهذا عالما مملا. ولو كانت كل الألوان هي اللون الذي يحبه المرء لما أحبه. إذا ما كان بعض الأشخاص وبعض التصرفات والألوان والوجوه والحركات والزهور والحيوانات أجمل وأحب وأقرب إلى نفسنا من غيرها فإن الفضل في ذلك إنما يرجع إلى اختلافها. الاختلاف إذا "آية" أي "إشارة ودلالة" نقرأ عند نظرنا إليها التجليات المختلفة لأسماء الله على الوجود.
أخوة الإيمان
سئل ياباني مهتدي عن سبب إسلامه فكان جوابه "أصبحت مسلما بعدما سمعت آية ‘إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ’ (الحجرات 49/10)".
إن أخوة الإيمان هي أخوة الإيمانات وكما هو الحال بالنسبة للناس فالإيمانات أيضا تتآخى وعندما تتآخى الإيمانات يغدوا معتنقيها مجبرين بدورهم على التآخي لأنها تقول لهم ضمنا: "إذا ما كنتم تريدون أن تكونوا تابعين لنا عليكم أنتم أيضا أن تتآخوا مثلنا!". وعندما تتآخى الإيمانات يجدر بالذين يعتنقونها الإخلاص لهذه الأخوة لأن الإخلاص لأخوة الإيمان يصبح في هذه الحالة إخلاصا للإيمان ذاته، وخيانة أخوة الإيمان تصبح خيانة للإيمان.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ. إن أساس أخوة المؤمن هو الإيمان وأساس الإيمان المحبة وتماما كما قال رسول الله عليه السلام: لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا (مسلم، كتاب الإيمان، 93ـ94). إن نبينا الكريم يشير هنا إلى أن محبة المؤمنين لبعضهم بعضا هي شرط من شروط الإيمان بل أهم شرط له. وإذا ما كانت المحبة كذلك فماذا يمكن أن تكون الكراهية بالنسبة للمؤمن؟ إنها تكون أعظم مرض يفسد الإيمان.
عندما يتقدم هذا المرض يظهر "فيروس التكفير"، وإذا ما تسلل "فيروس التكفير"ـ الذي يعني اتهام المؤمن بالكفر ـ إلى القلب لا تغدو هناك فائدة ترجى من الإيمان الذي في ذلك القلب. والإيمان الذي يصاب بهذا المرض يصيبه الشلل أولا ويفقد من ثم كافة وظائفه الحياتية ويدخل في حالة الحياة السريرية ليموت في نهاية المطاف. والمسكين الذي يقدم إيمانه قربانا لمرض التكفير يغدو حاملا في قلبه إيمانا ميتا. ومن يحمل في قلبه إيمانا ميتا يصبح نعشا. ولأن إيمانه قد مات تصاب عين قلب ذلك الشخص بالعمى وأذنه بالصمم ويعقد لسانه. وإذا أصبح حاله كذلك يعجز عن رؤية إيمان الآخر، وعن سماع نداء الإيمانات الأخرى التي تقول له "أنا هنا"، وعن رفع صوته ليقول للإيمانات الأخرى إنه موجود. كما لا يعود بمقدوره القول "أنا هنا!" ولا سماع صوت الإيمانات الأخرى التي تقول له "أنا هنا!" فيلغي وجودها بالنتيجة وهو ما يقول عنه القرآن الكريم "إنكار الإيمان" ويقول أيضا إن أعمال الذين ينكرون الأيمان ستُحبط "وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ" (المائدة 5/5).
إن إيمانا أصيب بداء التكفير يفقد حاسة الشم، وإيمان فقد حاسة الشم يصبح عاجزا عن تنشق رائحة الإيمانات الأخرى. وأسوأ عاقبة للمؤمنين الذين يتنازعون بين بعضهم تخبرنا عنها الآية الكريمة التالية: "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" (الأنفال 8/46). إن كلمة ريح الواردة في الآية تحمل معنى "الرائحة" ومعنى "الريح" في نفس الوقت وهذا يعني الآتي: إذا ما تنازع المؤمنون يصبحون عاجزين عن استنشاق رائحة الإيمان، ومن يعجز عن ذلك يصبح عاجزا عن رؤية إيمان الآخر بل يعتبره غير موجود وهو ما يحط به إلى درك إنكار الإيمان ويجعله يصاب في النهاية بداء التكفير الذي يطلق عليه اسم "تسمم الإيمان".
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ. ثمة مسؤوليات تنيطها أخوة الإيمان بمخاطبيها والآية التي تتحدث عن حقيقة أخوة المؤمنين تلفت النظر إلى هذه المسؤولية:
"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" (الحجرات 49/10).
إن المسؤولية التي تضعها أخوة الإيمان في أعناق المؤمنين هي إصلاح ذات بين الإخوة. وإصلاح ذات بين الإخوة هو من متطلبات أن يكون المرء من أهل التقوى أمام الله. وأن يكون المرء من أهل التقوى أمام الله يعني معرفته مسؤولياته أمامه. ومن يعرف مسؤولياته أمام الله يضطلع بمسؤوليته تجاه من آخاهم الله. وإصلاح ذات بين إخوة الإيمان لهو من دواعي هذه المسؤولية ومن يفعل ذلك يحظى بالرحمة الإلهية. فما يدفع المؤمن لإصلاح ذات بين الإخوة هو التعاطف والتراحم. أجل إن مؤمنَين فسد ما بينهما يصبحان بحاجة لرحمة المؤمنين الآخرين فعندما يفسد بين المؤمنين يصبح الإيمان يتيما. وإيمان يتيم إيمان لا ‘ولي’ له. وإيمان لا ولي له إيمان معرض للخطر ولكافة أشكال التهديد وليس بمقدور أحد التكهن متى ومن أين سيهاجم هذا الإيمان. ويعجز ذلك الإيمان عن الدفاع عن نفسه إلى أن يضيع ويزول في النهاية. هذه إحدى الحقائق التي يعنيها القرآن الكريم بقوله "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ" (التوبة 9/71). وبالتأكيد فإن مقابل أخوة الإيمان هناك "أخوة الكفر" لأن القرآن الكريم يقول "وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ" (الأنفال 8/73).
لا يمكن للحقد والدين الاجتماع معا. ولا يمكن للدين البقاء في قلب يكن الحقد لمؤمن لذا يعلمنا ربنا هذا الدعاء: "رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ!" (الحشر 59/10).
حبا للأخوة
الأخوة والمحبة...
حقيقتان لا تنفصلان، تليقان ببعضهما ووثيقتي الصلة بعضهما بعضا كالبذرة والتراب، والفاكهة والأوراق، والظفر والحم. الأخوّة منسوبة إلى المحبة، والمحبة مفتونة بالأخوة. الأخوة تزدهر في الأرض التي تزدهر فيها المحبة لهذا السبب كان أكبر عشاق الإنسانية هم الذين ذكَّروا الإنسانية بأعظم أشكال الأخوة.
اصغوا إلى الله حبا للأخوة، وكونوا إخوة حبا لله!
"وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا" (آل عمران 3/103).
حبل الله... أتدرون كيف فسر رسول الله (ص) هذه الكلمة؟ لقد فسرها "بالقرآن". أجل، فرسول الله عليه الصلاة والسلام يقول إن "القرآن حبل الله" (مسلم، كتاب الأقضية 10، كتاب فضائل الصحابة 37؛ الترمذي، كتاب المناقب 31). إذا فأمر الله واضح: "اعتصموا جميعا بالقرآن ولا تتفرقوا!". إن تفسير نبينا عليه السلام عبارة "حبل الله" بالقرآن ليس عبثا لأن الله وحده هو من بوسعه كتابة قانون الأخوة، والوحي هو قانون الأخوة الأبدي الذي خطه الله. إذا لم يتمكن الوحي من مؤاخاة المؤمنين فليس بوسع أي شيء آخر مؤاخاتهم وإذا لم يتمكن كتاب الله من توحيد زمرة تزعم إيمانها به فما الذي بوسعه توحيدها إذا؟ وفي حالة كهذه تصبح مزاعم إيمان تلك الزمرة مزاعم لا أساس لها من الصحة.
اصغوا إلى القرآن حبا للأخوة، وكونوا إخوة حبا للقرآن!
إن القرآن ينهى الأخ عن تحقير أخيه والسخرية به وغيبته وتحري أخطائه. كما ينهى الأخ عن الافتراء على أخيه وسوء الظن به والحقد عليه وهو يأمر المؤمنين بتأسيس العدالة فيما بينهم.
اصغوا إلى النبي حبا للإخوة، وكونوا إخوة حبا للنبي!
هذا النداء الذي يوجهه النبي لهو خير دليل على أن الأخوة مبنية على التراحم: "لا يؤمن أحدكم (بالمعنى الحقيقي) حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (بخاري، كتاب الإيمان 6).
وخطبة الوداع هي البيان الأساسي للأخوة فقد دعى النبي عليه السلام فيها إلى الأخوة بقوله "الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا وبلدكم هذا ويومكم...". كما دعى أيضا إلى الأخوة بالقول "كلكم لآدم، وآدم من تراب".
***
ثمة كلمتان يجب علينا قولهما لمن ينهى الذين يُذكِّرون أبناء هذه الأرض بإخوة الإسلام ويقولون لهم "كفاكم حديثا عن الأخوة!": أنتم تتوسطون بالمجان للشيطان وللقوى الشيطانية! ونحن نعلم من يوظفكم! ونقول لكم ولهم:
لن نضحي بحقيقة عمرها ألف عام من أجل كذبة عمرها مائة عام!
لن نفرق بين صلاح الدين الأيوبي وبين السلطان محمد الفاتح!
وعندما نرفع أيدينا للدعاء سنضع عاطف الإيسكيليبي في راحة وسعيد نورسي وسعيد باولي في الراحة الأخرى!
وعندما نقول في كل ركعة "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" فإننا سنقبل بكلمة "نحن" الواردة في الآية كما عرّفها لنا الله ولن نستبدلها بأوصاف أخرى تستند إلى عرق أو لون أو قوم أو قبيلة أو شعب أو أصل أو صبغة أو مذهب أو مشرب أو طريقة أو حزب أو جماعة أو جمعية أو مدرسة. أما المتعصبون الذين يفعلون ذلك فسنتركهم لرسول الله الذي قال هذه الحقيقة بأعلى صوته:
"ليس منا من دعا إلى عصبية".
***
لقد سئم أبناء عائلتنا الكبرى المتأذين المظلومين من الكره.
الآن حان وقت الأخوة!
İzinsiz ve kaynak gösterilmeden kullanılamaz. Ancak kaynak gösterip link vererek kullanabilirsiniz.