Ana Bölüme Geç
Kurani Hayat telefon

Kullanıcı girişi

Bir Ayet

“Rasul,
‘Ya Rabbi!’ diyecek,
‘Gerçek şu ki,
benim kavmim
bu Kur’an’ı devri
geçmiş bir mesaj gibi
terk etti!’...”
Furkan, 30

 

Kimler çevrimiçi

Şu an 0 kullanıcı ve 1 ziyaretçi çevrimiçi.

Ara.com.tr Türk Arama Motoru

تصورنا عن النبي - مصطفى إسلام أوغلو

Mart 6, 2010 yazan admin

مقال العدد

تصورنا عن النبي

مصطفى إسلام أوغلو

أن يكون تصورنا عن النبي فاسدا حاشا له أن يفسد النبي لكنه يفسدنا نحن. فتصورنا عن الإنسان مرتبط بتصورنا عن النبي وعندما يفسد هذا الأخير يفسد معه الأول مباشرة وهذه النتيجة تجعلنا في وضع الذين "أفسدوا أخلاق الرواد".

كم من الكبار والقادة والزعماء والأساتذة والشيوخ وأهل العلم والإخوة الأفاضل وقعوا في هذا الفخ كان معظمهم ـ في جوهره ـ حسن النية، حاذقا، من أولي العزم والهمة والخدمة إلا أن "التصور عن الإنسان" لدى الأشخاص الذين اقتدوا بهم كان فاسدا. فما يشكل التصورات عن الإنسان هي التصورات عن الأنبياء وإذا ما فسدت الأخيرة فسدت معها الأولى.

إن تصور الخَلَف - الذين أفسدوا أخلاق الرواد – عن النبي يناقض تماما ما جاء في القرآن الكريم. ففي حين يدعو القرآن الكريم مخاطبه إلى "المعقول" فيما يخص النبي عليه السلام، يدعو التصور الفاسد إلى "المحسوس". فالقرآن الكريم يُعرّفه بأنه "بشر" أما التصور الفاسد فيعرّفه بـ "فوق البشر". والقرآن يقدم النبي عليه السلام كـ "نموذج حي"، أما التصور الفاسد فيصوره "أسطورة لا يمكن الوصل إليها" و "ملحمة لا يتصورها عقل". ويبلغ هذا التصور ذروته في نظرية "النور المحمدي" التي ترفع نبينا للعرش الأعلى وتجرده من كونه نموذجا حيا. ولا حاجة هنا للقول بأن هذه النظرية قد اقتبست حرفيا عن الهرمسية التي كانت سائدة في مصر القديمة.

لا يرى الأشخاص الذين فسد تصورهم عن "نموذج الإنسان الرائد" بأسا في رسم صورة عن كبرائهم وروادهم وزعمائهم وأساتذتهم وشيوخهم وأهل علمهم وإخوانهم الأفاضل. فعوضا عن أن يرونهم كما هم يحاولون أن يسبغوا عليهم صورة رسموها لهم في أذهانهم وهذه الصورة لا يمكن لها أن تتناقض مع الحقيقة لذا لا يبقى أمام الرواد سوى طريقين اثنين:

1) التحلي بالشجاعة لقول: "إني لست ذلك الشخص المتخيل الذي تصورتموه أنتم". وقول هذا من الصعوبة بمكان قكم من الشخصيات الرائدة تستطيع قول ذلك؟ وكم منها مستعدة لنتائجه؟
2) قبول تلك الشخصيات بارتداء اللباس الذي حاكه لها محبيها وهو ما سيدفعها لتمثيل دور والابتعاد عن أن تكون ذاتها لأن هناك مسافة بين صورتها وبين حقيقتها وهو ما يقال عنه "عدم تناسب القامة مع القيمة". هنا ستحاول الشخصية الرائدة تمثيل دور لتغطية هذا الفرق وسيغدو جل همها الحفاظ على الصورة المسبغة عليها وليس الحفاظ على نفسها. هذه هي النهاية المأساوية التي ستؤول إليها عملية إفساد الخلف أخلاق روادهم.

إن السبب الأول لعملية الفساد والإفساد هذه هو فساد التصور عن النبي.

الاعتراض المشترك: " لماذا الأنبياء بشر وليسوا ملائكة؟"

الإيمان بمؤسسة النبوة والأنبياء ركيزة من ركائز الإيمان وإنكار هذه الركيزة كفر. لقد أبلغ الله تعالى إرادته عبر الوحي وأوصل هذا البلاغ الإلهي للبشر عبر الأنبياء وتجلى الكلام الإلهي للبشرية بآخر صوره بالقرآن الكريم الذي وُكّل محمد عليه الصلاة والسلام بإيصاله للبشر.

القرآن الكريم هو أصح مرجع نتعلم منه النبي صلى الله عليه وسلم ففيه معلومات في غاية الوضوح والجلاء عنه كما في الآيات التالية من سورة الضحى:
"أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى" 8 (الضحى، 6ـ8).
إن الوصف المشترك الوارد في هذا النوع من الآيات هو أن النبي عليه السلام بشر والعشرات من الآيات القرآنية تشير إلى ذلك وحتى أن النبي قد أمر في موقعين بالقول "إنما أنا بشر (فان) مثلكم".

كانت أبرز اعتراضات مشركي مكة على النبي صلى الله عليه وسلم هو كونه إنسان فان كما يرد في الآيات التالية: " أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً" (الإسراء 17/94). "وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا" (الفرقان 25/21) لقد عَجب مشركو مكة أن يرسل لهم نبيا بشرا وكانوا يريدون نبيا ملكا. وهم لم يكونوا الوحيدين في ذلك فقوم نوح الذين سبقوهم بكثير فعلوا الشيء ذاته: "وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً (لإبلاغنا رسالة)". (المؤمنون 23/24).

والاعتراض نفسه جاء من قومي عاد وثمود اللذين هلكا بعد قوم لوط: "لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً (لإبلاغنا رسالة)". (فصلت 41/14).

وأهل الأيكة الهالكين كانوا أيضا من الذين لم يرق لهم نبيا بشرا وكانوا يريدون ملكا: "(قالوا لشعيب): مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا" (الشعراء 26/154).

باختصار، إن كافة الأقوام التي أرسل لها نبي أبدت ردة الفعل ذاتها التي أبداها مشركو مكة وكانت تعترض على إرسال نبي بشر فان لها بقولها "أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا" (التغابن 64/6). لم تكن أي من الأقوام تنفي جذريا إمكانية وجود مؤسسة النبوة لكنها كانت تريد نبيا ملكا وحسب.

والسببان المحتملان لذلك هما:

1) أن تكون تلك الأقوام قد قطعت رجاءها من بني البشر لأنها فسدت وبالتالي لا يمكن أن يرسل نبي من البشر. أي وكما يُقال "كل شخص يعتقد أن الآخرين على شاكلته" لذا كانت تلك الأقوام أيضا ترى الآخرين مثلها وتعتقد أنه من غير الممكن أن يأتي خير من بني البشر.
2) أن تكون تلك الأقوام وعوضا عن قولها "لا نريد إخضاع نمط حياتنا للإرادة الإلهية" قد لجأت لأسلوب أكثر مكرا وفضلت القول "ألم يكن أحرى أن يرسل إلينا ملك؟" و"أبشر سيهديننا؟". لكن لو أرسل لتلك الأقوام نبي ملك كما كانوا يقولون لصدر عنهم هذه المرة اعتراض محق ولقالوا: "إلهي! لقد أرسلت لنا ملكا ليكون قدوة لنا لكن نحن لسنا بملائكة ولا نستطيع الاقتداء بملك لذا لا يسعنا تغيير نمط حياتنا". إلا أن تلك الأقوام لم تتمكن من تقديم هذا العذر وكان هذا هو السبب الحقيقي للضيق الذي أخفوه في صدورهم.

لقد كشف القرآن الكريم عن مكرهم الشيطاني هذا وأفشى ما أخفوه في صدورهم في الآية التالية:
"قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً" (الإسراء 17/95).

إن كون النبي بشرا لم يكن فقط مشكلة الذين أنكروه وأنكروا وما جاء به بل كان هناك على الدوام ومن بين المؤمنين بالأنبياء والرسالات الإلهية التي جاؤوا بها من يرى هذه القضية معضلة. إلا أن المجموعة الثانية سلكت طريقا أكثر خفية لتجاوز هذه القضية التي كانت موجودة لديها في اللاشعور. وكان هذا الطريق يتمثل بوضع النبي الذي يؤمنون به في مكانة "فوق البشر" أي لقد كان ذلك الطريق طريق "التبجيل المفرط". يبدو أن النتيجة التي لم تتمكن المجموعة الأولى من بلوغها بالإنكار قد نجحت المجموعة الثانية بالحصول عليها رغم إيمانها. وإذا ما كانت النتيجة المرغوبة هي: "إقصاء الرسالة النبوية عن الحياة" فإنهم قد نجحوا في ذلك بوضع النبي في "مكانة فوق البشر". ولعل أفضل مثال على ذلك ما فعله المؤمنون بعيسى عليه السلام من أجل ذكراه.

"إذا لم يكن ملكا فلنجعله نحن كذلك"

إن ما فعله المؤمنون لذكرى عيسى عليه السلام كان أسوأ مما جاء في العنوان. فهم لم يكتفوا بجعل عيسى ‘فوق البشر’ فحسب بل ألهوه وجعلوه في النهاية ‘ابن الله’.

كان لكلمتي: "أب – ابن" دورا هاما في عملية تأليه عيسى ويمكننا القول بصدد هاتين الكلمتين إن تحويل معناهما المجازي لمعنى حقيقي قد لعب دورا هاما في أكبر ضلال عرفه التاريخ. الفقرة أدناه تثبت تماما أن كلمتي "الأب – الابن" الواردتين في الأناجيل تفيدان معنى "رمزيا" خالصا:

"25 أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ. اَلأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا بِاسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي. 26 وَلكِنَّكُمْ لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنْ خِرَافِي، كَمَا قُلْتُ لَكُمْ. 27 خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. 28 وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. 29 أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي. 30 أَنَا وَالأبُ وَاحِدٌ»" (يوحنا 25.10-30).

وكما يقر منتقدو الإنجيل أنفسهم فإن الكلمات التي سُمعت من عيسى عليه السلام قد دونت جزئيا وبعد مرور فترة طويلة عليها. واحتمال أن تكون هذه العبارات وعلى الأخص تلك الكلمات ـ التي نعتقد بأنها أخذت عن المختارات التي تشكل مصدر كافة الأناجيل المكتوبة فيما بعد ـ صادرة عن عيسى عليه السلام هو احتمال ضعيف للغاية. وحتى لو قبلنا به فإننا لا نستطيع نفي الحقيقة التالية ألا وهي: إن روايات أناجيل الكنيسة من الناحية المنهجية روايات "معنى" (وليس لفظ) كما هو الحال بالنسبة لروايات الأحاديث. وبشكل مختلف عن الأحاديث فأناجيل الكنيسة قد رويت بأسلوب "حكايا ألف ليلة وليلة" أي ما نسميه "أسلوب النقل الأسطوري" الذي لا يعتمد منهجا أو تسلسلا معينا. إن "الرواية بالمعنى" تعني نقل مغزى المعنى دون النظر إلى الشكل وبهذه الحالة لا يمكن لأحد القول بأن الشكل لا يتغير. هنا لا بد من إبداء الملاحظة التالية: إن إحدى أكبر مشاكل اللاهوت المسيحي هي "مشكلة الفهم" و"تحويل المجاز إلى حقيقة" وهو ما سبب أزمة لاهوتية بالمعنى الحقيقي للكلمة.

من حيث ما نظرنا لا يمكننا أن نجد في العهد القديم أو في الأناجيل الرسمية التي صادقت عليها الكنيسة قولا يؤكد بشكل مباشر زعم "ربوبية" عيسى. من أجل القيام بذلك كان لا بد من وجود باولوس تشكل في بيئة وثنية ووضع في رأسه فكرة ‘تملك’ رسالة عيسى عليه السلام عوضا عن ‘اتباعها’. وكان هم باولوس ذاك هو تلفيق الكتاب وليس إطاعته. في الوقت الذي كان يُقضى فيه على العيسويين الصادقين في ميادين روما الوثنية التي تعبد القوة، كان "عيسى الإنسان" عبد الله ورسوله سيقتل لتحل محله صورة افتراضية لـ "عيسى الرب". باولوس الطرسوسي كان محاميا يهوديا وقد عذب بصفته هذه كثيرا من المؤمنين العيسىويين.

بعد هدايته (!) خلّف تعذيبه المعنوي للرسالة الإلهية التي جاء بها عيسى آثارا أدوم وأعمق في نفسه من آثار تعذيبه المادي للمؤمنين. وباولوس بالتأكيد كان ـ في نظر نفسه ـ مخلصا وهو لو لم يكن كذلك لما ضحى بحياته في سبيل قضيته. إلا أن الطريق الذي سلكه كان طريق "الإفساد" تحت اسم "الإصلاح". إن تقديمه حياته لهذا الدرب كان مؤشرا على إخلاصه في محبته لعيسى إلا أن ذلك لا يمحو حقيقة أن محبته تلك كانت "محبة سامة" استخدم في سبيلها منطق "كل شيء مباح" فعلى سبيل المثال كتب في رسالته لأهل كورنثوس:
"فصرت لليهود كيهودي لأربح اليهود و للذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس..." (الكتاب المقدس: رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 9 : 20 – 22).

لقد اعتبر بولوس خطيئة آدم خطيئة البشرية بأسرها واضطهد كافة البشر. ولعله شعر بحاجة لتقديم رشوة كبيرة لضميره لتخفيف العذاب الذي كان يشعر به بسبب ظلمه العيسويين في شبابه ولا بد أنه اعتقد أنه سيدفع كفارة تعذيبه تلاميذ عيسى بتأليهه. إلا أن الكفارة التي دفعها كانت صلبا معنويا لعبد الله ورسوله عيسى.

إن صورة "عيسى الرب" التي تخيلها باولوس للمرة الأولى والتي كانت تزداد ابتعادا عن البشرية لم تكن تربطها أي صلة بـ "عيسى ابن البشر" ومن أجل ذلك فُرغ الدين الذي جاء به عيسى لتُملأ مكانه ‘محبة فارغة’ ليس له ما يقابلها في الحياة. وأصبحت تلك ‘المحبة الفارغة’ رشوة معنوية ـ إن صح التعبير ـ لعيسى ‘ابن البشر’ الذي قُتل.

هكذا تمت عبر العصور مغامرة تطور العيسوية ـ التي هي فرع من الإسلام ـ إلى المسيحية. إلا أن التنصر لم يكن أمرا خاصا بالمسيحيين وحدهم بل كان هناك "ميلا إلى التنصر" والآية الأخيرة من سورة الفاتحة التي يتلوها المؤمنون في صلواتهم تتحدث أساسا عن خطرين يتعوذ المؤمنون بالله منهما ألا وهما "التهود" و"التنصر" فالنبي عليه السلام فسر كلمتي المغضوب عليهم والضالين الواردتين في الآية الأخيرة من الفاتحة بـ "المتهودين" و"المتنصرين". في حين يتجلى التهود كمخالفة صريحة لرسالات الأنبياء و‘عداوة واضحة’ لهم تظهر بصورة محاولة النيل من حياتهم ورسالاتهم، يتجلى التنصر ـ وبشكل معاكس تماما ـ على شكل محبة وتبجيل للأنبياء.

الميل إلى التنصر

واجهت مؤسسة النبوة عبر تاريخ البشرية نوعان من التهديد:

1) تهديدات مادية استهدفت الأنبياء كالتجاهل والإهانة والتخويف باستخدام أساليب التهديد والمضايقة واستهداف حياة الأنبياء في نهاية المطاف.
2) تهديدات استهدفت الوحي الذي يُبلغه الأنبياءـ أكثر من استهدافها وجودهم المادي. ويتجلى ذلك بإفساد مغزى الرسالات التي جاءوا بها وتحريفها بإنقاصها والزيادة عليها.

لا بد وأن نموذج الضلال الخطير هذا الذي ظهر بين أتباع النبي الذي سبقه قد أثار وبشكل كبير قلق النبي عليه الصلاة والسلام لدرجة أنه خلف لمحبيه وصية نبوية تجلت بالتعليمات الواضحة الحازمة التالية:

‏"‏لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ‏"‏‏ (البخاري، الأنبياء 3484).

نجد الحادثة التي كانت سببا في صدور هذه التعليمات النبوية في الرواية التالية التي نقلها أحمد بن حنبل عن أنس بن مالك:

"إن رجلا قال يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا وخيرنا وابن خيرنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: يا أيها الناس عليكم بتقواكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل" (ابن حنبل، 3/153).

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وعلى العكس من يهود المدينة الذين كانوا يسابقون بين الأنبياء ـ يوصد الأبواب أمام أي محاولة قد يقوم بها المؤمنون بهذا الخصوص. ولا يسعنا هنا سوى تقديم بعضا من الأمثلة العديدة على ذلك:

"استب رجلان: رجل من المسلمين، ورجل من اليهود، قال المسلم: والذي اصطفى محمدا على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلم، فسأله عن ذلك فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأصعق معهم، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش، فلا أدري: أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله)" (البخاري ومسلم).

إن التواضع الذي أبداه هنا رسول الله إزاء موسى عليه السلام قد أبداه أيضا إزاء إبراهيم عليه السلام بقوله "‏أنا اَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ اِبْرَاهِيمَ" (البخاري، الأنبياء 46). وذلك كي لا يدع مجالا للشك في قلوب المؤمنين تجاه إبراهيم بسبب فضوله حول مسألة الخلق الذي حدثنا عنه القرآن الكريم في الآية 260 من سورة البقرة. كما قال عليه السلام وللحيلولة دون أي صورة سلبية قد ترتسم حول يونس عليه السلام بسبب مغادرته القرية التي أرسل إليها "لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ اِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى" (البخاري، الأنبياء 38). إن المواقف المذكورة أعلاه تبرز جانبا من الخلق العظيم الذي كان يتحلى به نبينا عليه الصلاة والسلام وبسبب مواقفه العظيمة تلك قدمه القرآن الكريم كـ "قدوة حسنة". إن تقديم القرآن الكريم للنبي عليه السلام كقدوة حسنة يعني أن تصرفا كان قدوة في مكان وزمان ما يمكن إنتاجه مجددا ونقله إلى زمان ومكان آخرين. في حين يقدم القرآن ذلك التصرف كقدوة من أجل نقله إلى أمكنة وأزمنة أخرى ثمة موقف يجعل الاقتداء بذاك التصرف ونقله أمرا غير ممكنا. وهنا يبرز تصور مغاير عن النبي يتعارض مع ذاك الذي بناه القرآن.

فلنقدم الآن بعض الأمثلة عن هذا التضارب.

فلنعرض على القرآن الكريم تصورنا عن النبي

أعطى رب العالمين نبيه هذه التعليمة الصريحة في موقعين مختلفين:
"قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ" (الكهف 18/110 و 6:41).

لقد أمره رب العالمين أن يقول "أنه بشر مثلنا"، لكن بالمقابل تظهر مساع معاكسة تماما تحاول إثبات أن رسول الله لم يكن بشرا مثلنا في أي شيء. وسلفنا الذين يفعلون ذلك لا يفعلونه بالتأكيد لتجاذب الحبل مع القرآن الكريم، إلا أن ما يخلص عن ذلك لهو أشبه ما يكون بهذه النتيجة.

لقد كان رسول الله الأول في الصرعة (الشفاء 1/69). لقد كان الأول في الجري (نفس المصدر). كان يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار في الضوء (الخصائص، 1/61). كان إذا جلس مع قوم يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين (نفس المصدر، 1/68). لم يكن يُرى له ظل، كان ظله لا يقع على الأرض (الشفاء، 1/68). كان له ألف اسم (الخصائص، 1/77). لم تكن تحط عليه ذبابة (نفس المصدر، 1/67). كانت قوته الجنسية تعادل قوة أربعة آلاف رجل (الشفاء، 1/90).

لقد عُددت كل تلك الصفات لكن لم يقال أي شيء عن صوت نبينا عليه السلام مثل "لقد كان صوته أعذب من أصوات الجميع"... ولعل الذي حال دون تخيل البعض روايات بهذا الخصوص هو أن آلاف الأشخاص الذين كانوا يصلون خلف النبي كانوا يسمعون صوته.

كان عرقه كالمسك (الشفاء، 63). من الواضح أنه لم يخطر على البال هنا حديث رسول الله الذي قال فيه "حبب إلي من دنياكم ثلاث" إحداها هي "الطيب" (أبو داوود) ولا رواية أن أنفاسه فاحت منها رائحة "المغافير" بسبب شربة عسل وهو ما كان سببا لنزول سورة التحريم.

لقد خصص مؤلف "الخصائص" بابا من كتابه ـ الذي زعم أنه جمع فيه الصفات المعجزة الخاصة برسول الله ـ أطلق عليه اسم "باب حول معجزة بوله وغائطه" نقل فيه العديد من الروايات التي يعرف الجميع أنها برمتها خالية من الصحة (الخصائص، 1/70) وحتى أن المؤلف نفسه قال بجواز شرب دم حجامة الرسول (نفس المصدر، 1/68). كما روي أنه قال لامرأة شربت بوله بطريق الخطأ أنها لن تشتكي من بطنها بعد يومها هذا أبدا (الشفاء 1/65). ولا حاجة بتاتا للقول بأن هذا النوع من الروايات عاري من الصحة. للإجابة على كل هذه التصورات يجب طرح الأسئلة التالية:

1. إن محمد عليه السلام رسول الله تعالى هو قدوة لنا. أي من هذه الروايات يمكنني الأخذ بها وكيف؟ بماذا تفيدني تلك الروايات؟
2. إن رسول الله الذي يُعرّفه الله بأنه "رحمة للعالمين" و"على خلق عظيم" و"قدوة حسنة" هو مبجل أساسا فهل هناك حاجة لتبجيله؟ ما الذي ينقصه إن لم يحصل كل ذلك؟ إنه ليس بحاجة لأن نمتدحه لأن الله قد امتدحه لكننا بحاجة لأن نفهمه.
3. ما هو الفراغ الذي يحاول هذا النوع من التصورات ملؤه وبماذا؟ ما الذي يعطيه لمن وعلى حساب من؟ والأكثر من ذلك، أي من مسؤولياتنا التي لا نتحملها تداعبها هذه التصورات.

لهذا السبب يتعين علينا أن نعرض على القرآن الكريم تصورنا عن النبي، لأن:

1. المصدر الذي بوسعنا أن نتعلم منه النبي عليه السلام على أفضل وجه هو المصدر الإلهي الذي عيّنه نبيا. والقرآن قد جاء من ذاك المصدر.
2. إن القرآن الكريم هو أكثر المصادر موضوعية وأصالة وصحة للتعريف بالنبي عليه السلام. فهو موضوعي لأنه بعيد عن التصورات الحسية والشخصية للبشر. وأصيل لأنه لا مسافة هناك بين النبي عليه السلام وبين القرآن ولا يمكن التفكير زمانا ومكانا وإمكانا بأبعد منه. وهو صحيح لأن القرآن هو مصدر المعلومات الوحيد الذي "لا يخالطه شك" بالنسبة لكل مؤمن.
3. كما علمنا النبي عليه السلام القرآن، القرآن أيضا علمنا النبي. وبمثل ما تفتح محاولتنا فهم القرآن بعيدا عن النبي الباب أمام فهم خاطئ، فإن محاولة فهم النبي بعيدا عن القرآن ستفتح الباب أيضا أمام فهمه بشكل خاطئ فكلاهما لا ينفصل أحدهما عن الآخر كما لا ينفصل الظفر عن اللحم والحبة عن الأرض.

لهذه الأسباب فإن النبي الذي يُعرفه القرآن الكريم هو حجر المحك الذي يجب أن تُختبر عليه كافة التصورات والمفاهيم الخاصة بمؤسسة النبوة وبالنبي عليه السلام. ولا يمكن أن يتضح ما إذا كانت المفاهيم نابعة عن سوء فهم أم لا أو ما إذا كانت تحمل مشكلة فهم أو لا إلا بمقارنتها بالنبي كما يُعرفه القرآن.

إن النبي عليه السلام هو وسيلة الوحي. وإذا ما فُهمت الوسيلة بشكل خاطئ فهذا يعني أن خللا ما قد أصاب أكبر ضمان لفهم الوحي بشكل صحيح.

النبي هو ـ وكما يخبرنا القرآن ـ فاعل نشط ومؤسس وبنّاء للحياة يحمل مهمة خالدة، ويبذل القرآن قصارى جهده لنقله عبر العصور فهو ينقل الحوادث التاريخية المتعلقة به إلى قلب المؤمن وإيمانه وعبادته للحيلولة دون حبسه في التاريخ وهو يفعل كل ما بوسعه لجعل النبي معاصرا في حياة المؤمن.

إن الذين ينظرون من الزاوية التي يأمر القرآن بالنظر منها يبذلون جهدهم لـ ‘إنتاج’ النبي ويرونه في القرآن ويرون القرآن فيه. يعرفونه بالقرآن ويعرفون القرآن به. ينظرون إلى القرآن كمرآة له، وينظرون إليه كمرآة للقرآن ويعتبرون عدم مواصلة إرث رسالته خيانة له.

ربي! لا تجعلنا من الذين يتعيشون على إرث النبي ويستهلكونه بإسراف! واجعلنا ربي من المخلصين لإرثه الذين يعيشونه وينتجونه وينقلونه عبر العصور! آمين.

ترجمة: مروة داغستاني بارسيك

Share/Save

 

© 2010 Kuranihayat.com

İzinsiz ve kaynak gösterilmeden kullanılamaz. Ancak kaynak gösterip link vererek kullanabilirsiniz.

 

Aktif Medya