![]() |
| ![]() |
![]() |
ترجمة: مروة داغستاني بارسيك الثروة أمانة وليست ملكية ثلاثة أشياء فقط أمرنا بها القرآن الكريم مشترطا أن تكون "في سبيل الله تعالى" وهي: الجهاد والهجرة والإنفاق. وهذا الشرط إذ يجعل من الإنفاق جهادا معنويا من جهة، يجعل منه من جهة أخرى هجرة من المتاع إلى النعيم. والمتاع هو ما ليس بالدائم أو الثابت أو الكامل على النقيض تماما من النعيم الذي هو النعمة الدائمة الثابتة الكاملة أي الجنة. |
إن كلمة إنفاق مشتقة من جذر نفقة الذي يعني "ما خرج من اليد وانتهى ونفذ". إن الإنفاق اصطلاحا يعني "تقاسم شيء نافع دون مقابل مع شخص يحتاجه". وكون هذا الفعل (إنفاق) متعديا يعني أن هذه العبادة لا يمكن لها أن تتحقق دون وجود ‘آخر’.
تطلق كلمة زكاة على ما هو فرض من الإنفاق والمعنى الأول لهذه الكلمة هو "الزيادة والتكاثر" أما معناها الثاني فهو "التطهير والتنقية". وتعني الزكاة في المفهوم القرآني "المبلغ الذي يتوجب دفعه للزيادة والتطهير". وفق الحسابات المنطقية فإن 40-1=39 أما بحسابات الإيمان فإن 40-1=400 فزيادة مال الزكاة لهو أشبه بدالية العنب التي تزداد امتدادا عند تقليمها وهذه الزيادة هي زيادة الفاكهة وهو ما يقال له "البركة". وما نفل من الإنفاق يطلق عليه اسم صدقة والصدقة تعني "النزاهة والاستقامة والأمانة" وقد أطلق هذا الاسم بالأساس لأن الشخص لا ينظر لأمانة الثروة التي وهبها الله له "كملكية" وإنما "كأمانة" يتقاسمها مع الآخرين لأن تقاسم الثروة وفاء للأمانة أما تجميعها والشح بها فهو خيانة لها. يطلق اسم صدقة الفطر على الإنفاق المتعلق بشهر رمضان الكريم وصدقة الفطر أطلق عليها هذا الاسم لأنها إنفاق عن "وجود" الإنسان سواء كان غنيا أو فقيرا. أما ما ينفق من المال فقط فيطلق عليه اسم خير والقرآن الكريم يطلق هذه التسمية "خير" على الثروة مما يعني أنه يرى الثروة بأساسها "خيرا" على العكس من التعاليم الصوفية القديمة وفكر الزهد الهندي التي تريها شرا بأساسها.
إن الطريق لفهم وهضم معنى الإنفاق يمر عبر تصور للثروة يبنيه الوحي، والعقيدة التي يستند إليها هذا التصور هي عقيدة التوحيد. فالإجابة التي يقدمها القرآن الكريم في أكثر من موضع على سؤال "لمن الملك؟" واضحة: الملك لله. وماذا يجب أن يقال إذا عن حصة الإنسان من الملك؟ إن الحقيقة هي أن هذه الحصة قد أعطيت للإنسان على سبيل الأمانة لأن الإنسان أرسل إلى هذا العالم ليكون شاهدا عليه وليس ليتملكه لذا يجب جعل الثروة شاهدا على الإيمان وهذا يتحقق بالنظر إليها كأمانة وليس كملكية. إن القرآن الكريم يستبعد التطرف في اتجاهين فيما يخص الثروة: الاتجاه الأول هو الرأسمالية الغربية التي ترتكز على مفهوم "الملكية المطلقة"، والاتجاه الثاني هو فكر الزهد السائد في الشرق الذي ينظر إلى العالم كذنب. إن الاشتراكية التي ترى الثروة ملك للمجتمع وليس للفرد تلتقي في جوهرها مع الرأسمالية في نفس البوتقة في نظرتها إلى الثروة. والبوتقة التي يلتقيان فيها هي فكرة أن الثروة ملكية وليست أمانة. والنقاش حول "هل الثروة ملك للفرد أم للمجتمع؟" هو نقاش ثانوي فمنزل الوحي لا يرضى بتحويل الثروة للدولة عبر تمركزها بأيدي البعض (الحشر7). إن رغبة النهب جعلت من الإنسان "مُلكا للثروة" وليس مالكا لها ومن هو ملك للثروة لا يمكن أن تكون له ثروة لأنه لم يبقى هناك فاعل يمكن أن يقال عنه بأنه "مالك". ولعل أفضل مثال على ذلك هو قارون الذي يسوقه لنا القرآن الكريم كمثال عن مصير من ينظر للثروة كملكية وليس كأمانة (القصص 76-84).
يرفض القرآن الكريم موقف بعض التعاليم الصوفية وفكر الزهد الهندي الذي يرى في العالم والدنيوية "ذنبا وقذارة" وما إلى ذلك وهو يعلمنا هذا الدعاء الذي يرشدنا لدرب الاعتدال في الثروة: "رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً" (البقرة 201).
وهذا التصور المعتدل عن الثروة يعبر عنه المثل (التركي) القائل "اليد في الربح والفؤاد عند الحبيب". لهذا السبب كان الواصلون إلى كنه الأمر يدعون: "إلهي! إملاء يدي وأفرغ قلبي!" وهذا قد يتناقض مع الحديث الشريف "الفقر فخري" إلا أن التعريف التالي للفقر يصل إلى جوهر المسألة: "إن الفقر ليس ألا تملك شيئا وإنما ألا تسمح لأي شيء بامتلاكك حتى وإن ملكت العالم". وهذا التعريف ينسب إلى الجنيد (وغيره كثير آخرون) وهو من كبار طلبة حارث المحاسبي صاحب القول الرائع "العقل هو القرآن والقرآن هو العقل". إن الدنيا هي ـ حسب القرآن الكريم ـ بوتقة الصهر التي تميز جوهر الإنسان عن غثائه. والفتنة تعني ذلك تماما.
هناك جناحان لرقي العبد (معراجه): الأول هو الصلاة التي تمثل بعده الممتد من العبد إلى الله والثاني هو الإنفاق الذي يمثل البعد الممتد من العبد إلى العباد. وهذان الجناحان المزدوجان يُعَّرفان على أفضل وجه بسورة الماعون. كما تحدثنا الآية التالية أيضا عن هذه الحقيقة: "وَالْمُقِيمِين الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ" (الحج 35).
تناقض و تقابل الإنفاق والنفاق
هنا يجب أولا طرح السؤال التالي: إذا ما كان الإيمان هو ما يميز الكافر من المؤمن فما الذي يميز المؤمن من المنافق؟
إن أقصر إجابة على هذا السؤال هي تلك التي يقدمها لنا القرآن الكريم: "الإنفاق". أجل إن الإنفاق هو ما يميز المؤمن عن المنافق وإنه لمن التوافق الغريب أن تكون كلمتي إنفاق ونفاق مشتقتان من الجذر نفسه فالأمر المشترك بينهما هو كونهما فعلان مزيدان. فهما وإن كانا من بابين مختلفين إلا أن ثمة معنى يجمعهما فكليهما يعنيان "نفق تحت الأرض له فتحتين عند طرفيه" ولهذا السبب يطلق على "المترو" اسم مترو الأنفاق في الغة العربية الحديثة. وفي كلمة أنفاق دلالة لغوية تشير إلى العالمين وهي توحي تماما بإرسال أشياء عبر نفق مفتوح طرفه الأول على الدنيا وطرفه الثاني على الآخرة. والشخص الذي ينفق هو في الحقيقة يرسل أشياء إلى حسابه في الآخرة وإن كان يبدو أنه يفقد ما ينفقه. أما في النفاق فإنه يعنى أن الشخص "ذو وجهين". فالمنافق كائن ضار أشبه ما يكون بحيوان الخلد الذي لا تعرف من أين سيحفر ولا من أين سيخرج فهو يدخل من ثقب ويخرج من آخر ولا تستطيع أن تدري من أيهما دخل ولا من أيهما خرج فهو يبدو في الظاهر أنه دخل الإسلام إلا أنه في باطنه لا يكون قد دخل أو ربما قد خرج منذ أمد بعيد.
باختصار إن كلمتي إنفاق ونفاق وإن كانا يشتركان بالجذر نفسه إلا أن المعنيان اللذان يدللان عليهما متناقضان. فالنفاق يعني الازدواجية أما الإنفاق فيعني العالمين وأهل النفاق لا ينفقون لأنهم لا يرون سوى عالم واحد فحتى يتم الإنفاق يجب أن يقر في قلب من ينفق بأنه سيحصل على مقابله في الآخرة وأساسا إن قرَّ هذا الأمر في قلب الشخص فإنه لا يكون منافقا. وأهل الإنفاق لهم وجه واحد لأنهم يرون عالمين وهم يؤمنون تمام الإيمان بأن ما يعطونه رضاء لله لن تضيع منه ذرة واحدة.
إن أحد المواطن التي يتطرق فيها القرآن الكريم لنقيضي الإنفاق والنفاق هي سورة التوبة من الآية 38 إلى الآية 60. فمباشرة بعد هذه الآيات التي تتحدث عن بعض أنواع النفاق يبدأ الحديث عن الإنفاق وتخاطب الآيات الكريمة المنافقين: ""قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ". وتشرح الآية التي تليها العائق الحقيقي الذي يحول دون قبول إنفاق المنافقين: "وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ". (التوبة 53-54).
إن ما يفهم من الآية 54 من سورة التوبة أن المنافقين لا "ينفقون" أبدا طوعا والحقيقة أن صبغة الإنفاق تظهر للعيان لونهم الحقيقي فهم يحاولون خداع المؤمنين بطلاء كفرهم بصبغة الإيمان المزيف والله يكشط بالإنفاق هذا الطلاء المزيف الذي يطلون به كفرهم.
تعالج سورة المنافقين بأفضل شكل نقيضي الإنفاق والنفاق فكما هو واضح من اسمها أيضا تبدأ السورة بالحديث عن المنافقين وتنتهي بالحديث عن الأمر بالإنفاق وهو ما يدل على أن الإنفاق ترياق النفاق. كما يظهر التناقض بين الإنفاق والنفاق بنفس الوضوح في سورة الحديد من الآية 11 إلى الآية 15.
تناقض و تقابل الربا ـ الإنفاق / الزكاة
إن وحي القرآن يؤسس علاقة عكسية بين منع الربا (الفائدة) ونوع الزكاة التي هي دين في رقبة المكلفين بالإنفاق لأن نظاما اقتصاديا يمنع الفائدة ليس بوسعه تأسيس العدالة الاقتصادية التي يرمي إليها دون فرض الزكاة. فكما أن تحريم الفائدة يمثل النفي لا إله في كلمة التوحيد، فإن أمر الزكاة يمثل الإثبات إلا الله وهو ما لا يستغنى عنه لكليهما.
وردت عملية تحريم الفائدة لأول مرة في الآية 130 من سورة آل عمران التي أنزلت بعد غزوة أحد لأن الربا كانت من الأسباب الخفية للهزيمة في تلك الغزوة فرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الرماة بعدم مغادرة أماكنهم أبدا وكان لبلاء الفائدة دور في ترك أغلبيتهم الساحقة أماكنهم. وفي الآيات التالية من السورة المذكورة يؤمر المؤمنون بالتسابق فيما بينهم في عمل الخيرات عوضا عن التسابق في الفائدة أي في زيادة الأموال (الآية 133). وبعد ذلك تأتي الآية التالية المتعلقة بالإنفاق:
"الَّذِينَ (المتقون) يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ" (آل عمران 134).
إن الذين لا ينفقون في الضراء لا ينفقون في السراء أبدا. ورسالة الآيات التي تورد تحريم الربا وأمر الإنفاق/الزكاة إلى جانب بعضهما البعض جلي: عندما يكون بأيديكم ثروة فائضة فكروا بزيادتها عبر الإنفاق والزكاة وليس بالفائدة لأن الربا (الفائدة) التي تعني "الزيادة" تزيد من مقدار الثروة إلا أنها تقتل روحها أي بركتها. والثروة الحية تحمل مالكها على ظهرها أما مالك الثروة الميتة فإنه يحمل ثروته على ظهره. وعلى نقيض الربا فإن الزكاة ـ التي تعني "الزيادة" بالنظر إلى أساس الكلمة ـ وإن بدت تنقص من مقدار المال إلا أنها في حقيقة الأمر تزيد من بركته.
التدرج في الإنفاق
لقد اتبع القرآن الكريم في تكليف الإنفاق ـ كما هو الحال بالنسبة لكافة الأحكام الأخرى ـ أسلوبا تدريجيا إلا أن مبدأ التدرج فيما يخص مسألة الإنفاق اتبع عملية عكسية تماما بالنسبة للأمور الأخرى. ففي العديد من الأحكام كأمر الصلاة والصوم والجهاد وتحريم الخمر والربا كانت العملية التدريجية تنطلق من الأقل إلى الأكثر لكن وفيما يخص الإنفاق كان الأمر على عكس ذلك تماما من الأكثر إلى الأقل. وهذا الأمر برأي يمكن تفسيره بضرورات وضع المسلمين في الفترة الأولى. وهنا يمكن وبالطبع استخلاص الحكم العام التالي: في الفترات المشابهة التي تشهد ظروفا صعبة يمكن أن يتحول الإنفاق أيضا ـ كما هو الحال بالنسبة للزكاة ـ من نسبة ومقدار محددين إلى استنفار عطاء بلا نسبة وبلا حدود. والدليل على قولنا هذا موجود في الآية 219 من سورة البقرة.
في الآية الثالثة من سورة البقرة يرد الحديث عن الإنفاق مباشرة بعد الحديث عن الإيمان والصلاة وهي تحمل المؤمنين تكليفا جديدا. يجيب الله تعالى المؤمنين على سؤالهم "ممَ ننفق؟" بقوله "وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ" (البقرة 219). يفسر الأغلبية كلمة العفو الواردة في الآية الكريمة بأنها "ما يزيد عن الحاجة". وفي هذه الحالة فإن أمر الإنفاق كان يعني في البداية الإعطاء مما هو فائض عن الحاجة وقد تم تخفيف هذا الحكم عندما كان المسلمون في المدينة يعانون من ضائقة. أطلق على الإنفاق الواجب اسم الزكاة وقد أعاد النبي صلى الله عليه تحديد نسبتها في عدة فترات وتم تحديد النسبة فيما يتعلق بالحيوانات بالأعداد بحسب نوع الحيوان وبنسبة مئوية فيما يخص النقود والبضائع التجارية إلى أن استقر الأمر في النهاية على نسبة 1/40. ولم يتفق الصحابة رضي الله عنهم على هذه النسبة "كحد أعلى" أو "كحد مطلق" وإنما اتففوا عليها "كحد أدنى" وحتى أن علي رضي الله عنه قال عنها بأنها "زكاة البخلاء". ومعنى نسب الزكاة هو أن "هذا هو الحد الأدنى وما هو فوق ذلك رهن بمدى إيمانكم وثقتكم بالله تعالى".
إن أصل هذه الحقيقة الواردة في قول علي رضي الله عنه، الذي يتمتع بعقل بناه الوحي، موجود أصلا في القرآن الكريم الذي يذكر المؤمنين بكرمه سبحانه وتعالى في الإنفاق:
"مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ (برحمته) وَاسِعٌ عَلِيمٌ". (البقرة 261).
وهذه الآية الكريمة تقول الكثير جدا لمن يعرفون الإصغاء لأفئدتهم وأول ما تقوله هو هذه الحقيقة: إن العطاء من أجل الله لهو أخذ وليس عطاء. وهذا يشبه تماما إنفاق إبراهيم عليه السلام ابنه إسماعيل دون أن تطرف له عين. فالله لم يأخذ منه إسماعيل بل رزقه بإسحاق أيضا. والحقيقة الثانية التي تتحدث عنها الآية هي: إن العبد الذي يؤمن بأن الله تعالى سيضاعف إنفاق العبد سبعمائة ضعف يجب عليه أن يسعى على الدوام لإنفاق المزيد. وبالأساس فإن نسبة "سبعمائة لواحد" هي كناية عن "مقابل بلا حد وبلا حساب". والحقيقة الأخيرة التي تشير إليها الآية الكريمة هي: إن العبد في التحليل النهائي يعطي مما أعطاه الله تعالى. إن العبد نفسه ملك له تعالى كما هي الحال بالنسبة للأموال والممتلكات المؤتمن عليها. وفي هذه الحالة فإن إنفاق العبد الذي هو ملك لله تعالى من المال الذي ائتمنه عليه الله من أجل الله ليس فضلا على لله وإنما فضل منه سبحانه على العبد. وفي حقيقة الأمر فإنه لا يحق للعبد حتى أن ينتظر مقابل ما أنفقه لأن القدرة على الإنفاق هي مكافأة وهبها الله له بالذات. وإذا ما منح الله عبدا من عباده مكافأة لانهائية على إنفاقه فإن هذا لا يرجع إلى أن العبد يستحق ذلك بل مرده إلى الفضل والإحسان اللامتناهيين لله.
أخلاق الإنفاق
لكل أمر أمرنا به الوحي أخلاق معينة. والوحي يأمر العبد بالإيمان في إطار الحدود التي رسمها له. ومقابل أمر الإيمان هناك أيضا "أخلاق الإيمان" فإذا ما أصبح الأيمان مجردا من الأخلاق فإنه يصبح "أيمان بلا أخلاق". وعلى سبيل المثال فإن النفاق هو مشكلة "أخلاق الإيمان" أكثر من أن يكون مشكلة الإيمان. أيضا يأمر الوحي بالعلم ويذم الجهل لكن هناك أيضا "أخلاق العلم". وإذا ما أوتي العبد العلم دون أن يتمتع بـ "أخلاق العلم" فإنه يكون قد أوجد في عصره نموذج بلعم بن باعوراء الذي تتحدث عنه الآيتان 174 و175 من سورة الأعراف. إن الوحي لا يقصي القوة والثروة المشروعتين وهو يبني بمثلي داوود وسليمان عليهما السلام نموذجا لـ "أخلاق القوة" و"أخلاق الثروة". والوحي يبشر بالنصر لكنه وكما هو الحال في سورة النصر يعمل أولا على بناء "أخلاق النصر" في تابعه أو طالبه. وكما يُرى في هذه النماذج فإن الوحي قد بنى أخلاقا في كل ما أمر به والإنفاق ليس استثناء من ذلك.
إن القرآن الكريم يبني أخلاق الإنفاق. وهذا الأمر يحتل مرتبة الأولوية بالنسبة للقرآن الكريم لدرجة أن الآية السادسة من سورة المدثر وهي من أوائل ما أنزل من الوحي خلال فترة النبوة الممتدة على 23 عاما كانت: "وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ". وهو يعني "لا ترى الإحسان الذي تقدمه لوجه الله تعالى كثيرا!" وهذا النهي هو نهي متعلق "بأخلاق الإنفاق". وكلمة المن الواردة في الآية الكريمة تعني تذكير من يقدم المساعدة لمن يساعده بإحسانه عليه وهو نوع من المنة. قال حسن البصري إن الآية منعت الاستكثار والاستكثار يعني "العطاء مع انتظار الحصول على الأكثر". وهذا يتناقض مع أخلاق الإنفاق لأن كل الملك هو في الحقيقة لله بما في ذلك العبد نفسه. وبالتالي فإن عطاء العبد هو عطاء بالمعنى المجازي وليس الحقيقي فالمعطي الحقيقي هو الله ومن يمنح القدرة على العطاء هو الله نفسه. والعبد الذي يعطي يدين بالشكر لله لأنه قسم له العطاء.
تأتي الآيات 261 إلى 274 من سورة البقرة في مقدمة الآيات القرآنية التي تتحدث بشكل منظم عن أخلاق الإنفاق. والآيتين 262 و263 من السورة نفسها تبين بأن ما يعطي الإنفاق معناه هو "أخلاق الإنفاق": "الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ" (263).
وهذا يعني أن من يتبعون إنفاقهم بالمن سيحرمون من المكافأة ومعنى ذلك واضح: إن الذين لا يحسنون من أجل الحصول على مقابل بل يرون في الإحسان أكبر فضل يمنح لهم ستكون مكافأتهم لدى الله الكريم أكبر من مكافأة أهل الإنفاق المحرومين من أخلاق الإنفاق. أما الآية الثانية فكأنها تقول للشخص الذي يريد الإحسان "إذا ما كنت ستنفق وتلحق إنفاقك منًّا وأذى أي وحسب التعبير الشائع ‘إذا ما كنت ستعطي بالملعقة وتفقأ العين بقبضتها’ فلا تعطي إذا!
وتأتي بعد هاتي الآيتين آية أخرى تحدثنا عن أخلاق الإنفاق:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ". (البقرة 264).
إن إحسانا يتبعه منُّ وأذى ليس إحسانا لوجه الله بل هو إحسان ورئاء للناس وهذا التصرف يدل على مشكلة أعمق هي "مشكلة تصور الله". إن قيام شخص يؤمن بقلبه بأن الله يراه بعمل خير لمجرد أن يراه الآخرون فقط يخرب الآليات الأخلاقية التي يستند إليها ذلك الإحسان. فإحسان لم يقدم انطلاقا من الأخلاق ليس في نهاية المطاف إحسانا حقيقيا بل خداع وانخداع متستران تحت لباس الإحسان. والآية الكريمة التالية تجيبنا على سؤال "مثل ماذا؟" : "كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ" إن أمطار الرحمة لا تنبت عشبا على صخرة تغطيها طبقة رقيقة من التراب بل كل ما تفعله هو أنها تكشف عنها القناع. وهذا بالأساس رحمة لمن يزرع البذور فإنه وعلى الأقل لن يضيع بذوره بزرعها على الصخور. إلا أن من يحاول أن ينفق رغم أنه محروم من أخلاق الإنفاق يكون مثله كمثل الصخرة التي تتخفى تحت طبقة من التراب. وهو ما يعني أن إنفاقه قد تحول لستار لنفاقه عوضا عن أن يتحول لترياق له. والآية 264 من سورة البقرة تبين هذه الحقيقة. أما الآية 265 التي تليها فهي وعلى العكس من الآية السابقة تصور حال الإنسان الذي ينفق إرضاء لوجهه تعالى فقط وهي تشبهه "بحديقة خصبة".
إن الآية 267 الواردة في هذا المقطع الذي يحدثنا عن أخلاق الإنفاق تتناول بعدا آخر للحرمان من أخلاق الإنفاق: تيمم الخبيث وهذه هي "عقدة قابيل". في قصة ابني آدم التي يرويها لنا القرآن الكريم يقدم هابيل قربانا لربه من أفضل ما يملك فيجلب بذلك مرضاته أما قابيل فيقدم قربانا من أسوأ ما يملك فيجلب بذلك غضب الله. في حين يتقرب هابيل بقربانه إلى الله يبتعد قابيل بقربانه عن الله. (المائدة 27-30) إن المشكلة هنا ليست مشكلة الحرمان من الإنفاق إنما مشكلة الحرمان من أخلاق الإنفاق. فنتيجة ما حصل يشعر قابيل بالغيرة من أخيه وتسول له هذه الغيرة قتل أخيه والعنصر الذي كان بداية هذه المرحلة الملعونة ليس الغيرة كما هو سائد في القناعة الشائعة وإنما "حب الدنيا". ويجب فهم هذه الحادثة على ضوء الحديث النبوي الرائع "حب الدنيا رأس كل خطيئة". إن حب الدنيا يؤدي إلى ضعف جهاز المناعة المعنوي للإنسان وهذا الضعف يتحول إلى "فيروس" معنوي يفتح الباب أمام عمل الشيطان ويمكن استخدامه ضد الإنسان. هذا الفيروس هو الخوف من الجوع. إن خبزة واحدة تشبع إنسانا جائعا أما من يعاني من خوف الجوع فليس بوسع جميع أفران العالم إشباعه. انظروا كيف تروي لنا الآية التالية ـ الواردة ضمن الآيات التي تحدثنا عن أخلاق الإنفاق ـ هذه الحقيقة: "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا" (البقرة 268).
إن مسألة الإنفاق سرا أو علنا هي من مسائل أخلاق الإنفاق أيضا والإنفاق علنا ليس دليلا على وجود ضعف في أخلاق الإنفاق إذ يكفي ألا يكون وراء هذه الرغبة هوس الرئاء والتظاهر. إلا أن الإنفاق سرا أحب إلى الله وهذه الحقيقة تعبر عنها الآية التالية التي ترد في نهاية مقطع الآيات الكريمة التي تتحدث عن أخلاق الإنفاق: "إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" (البقرة 271).
والآية التي تلي هذه الآية تبدأ كما يلي: ""لَيْسَ عَلَيْكَ (أيها الرسول) هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ" (البقرة 272).
إن ما قبل الآية الكريمة وما بعدها مباشرة يتحدث عن أخلاق الإنفاق ولهذا السبب يجب أن تكون لهذه الآية صلة مباشرة بالمقطع الذي وردت فيه. ما هي هذه الصلة؟ لدى نظرنا إلى سبب نزول هذا الجزء من الآية تطالعنا الحقيقة المذهلة التالية: إن مساعدة المعوز يجب أن تتم دون انتظار أي مقابل لدرجة أنها ـ ناهيك عن أن تكون لمنفعة شخصية أو منة ـ يجب حتى ألا تتخذ كوسيلة للتدخل في أفكار ومعتقدات نعتبرها منحرفة لدى الشخص الذي نساعده. لماذا؟ إن السبب موجود في الآية: لأن الهداية من الله ولا يجب أن تكون بناء على رغبة المحسن بل لوجهه تعالى ويجب أن يسلم الشخص نفسه بإرادته الحرة إلى الله.
وتلي هذه الآية جمل رائعات تقدم مقصد المقاصد فيما يخص كافة الأوامر والنواهي المتعلقة بالإنفاق وأخلاق الإنفاق: "وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ (أنتم المستفيدون منه وليس الله) فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ" (البقرة 273). ماذا فقد من كسب الله وماذا كسب من خسر الله؟
إن القرآن الكريم يومئ من خلال الآيات الكريمة التالية بأن الإنفاق هو الطريق الذي يوصل العبد إلى الجنة وبأن الشح طريق يوصل صاحبه إلى جهنم:
"فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى (لوجه الله) وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ (بالوحي) بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)" (الليل).
هذه الآيات من سورة الليل أنزلت في مكة المكرمة في السنوات الأولى للنبوة إلا أن الصحابة ربطوها بحادثة جرت في المدينة وهذا يعبر عن رؤيتهم للوحي ككلام منزل لكل الأزمان. فيما يأتي رواية ابن عباس لهذه الحادثة المليئة بالعبر:
"كان لرجل من الأنصار نخلة يسقط من بلحها في دار جار فقير له فيتناولها صبيانه الأيامى وفي أحد الأيام أتى ذلك الرجل غاضبا وانتزع البلح من أيدي الصبية وضربهم. وعندما سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم بهذه الحادثة استدعى صاحب النخلة ووعده بأن يدعو له أن يهبه الله حديقة في الجنة إذا ما تبرع هو ببلح تلك النخلة إلا أن ذلك الرجل الذي تبين بأنه ملك للثروة وليس مالكا لها يفوت على نفسه هذه الفرصة الرائعة. وعند سماع ثابت بن الدحداح البلوي ـ وهو ممن شاركوا بغزوة أحد ـ بهذه الحادثة يهرع باكيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويسأله إذا ما كان سيدعو له نفس الدعاء إذا ما اشترى هو النخلة وتصدق بها. وبالفعل يقوم الدحداح بشراء تلك النخلة مقابل حديقة نخل كان يملكها وكانت من أفضل حدائق النخل في المدينة". (ابن أبي خاتم).
خلاصة الكلام: إن الإنفاق هو ترياق النفاق. فليجعلنا ربي من المنفقين ويحصنا من النفاق بلقاح الإنفاق.
ترجمة: مروة داغستاني بارسيك
****
SPOT
لقد أرسل الإنسان إلى هذا العالم ليكون شاهدا عليه وليس ليتملكه لذا يجب جعل الثروة شاهدا على الإيمان وهذا يتحقق بالنظر إليها كأمانة وليس كملكية.
إن القرآن الكريم يستبعد التطرف في اتجاهين فيما يخص الثروة: الاتجاه الأول هو الرأسمالية الغربية التي ترتكز على مفهوم "الملكية المطلقة"، والاتجاه الثاني هو فكر الزهد السائد في الشرق الذي ينظر إلى العالم كذنب. إن الاشتراكية التي ترى الثروة ملك للمجتمع وليس للفرد تلتقي في جوهرها مع الرأسمالية في نفس البوتقة في نظرتها إلى الثروة.
أهل النفاق لا ينفقون لأنهم لا يرون سوى عالم واحد. وأهل الإنفاق لهم وجه واحد لأنهم يرون عالمين وهم يوقنون بأن ما يقدمونه رضاء لله لن تضيع منه مثقال ذرة.
إن الذين لا ينفقون في الضراء لا ينفقون في السراء أبدا.
الربا (الفائدة) التي تعني "الزيادة" تزيد من مقدار الثروة إلا أنها تقتل روحها أي بركتها. والثروة الحية تحمل مالكها على ظهرها أما مالك الثروة الميتة فإنه يحمل ثروته على ظهره. إن النفاق هو مشكلة "أخلاق الإيمان" أكثر من أن يكون مشكلة الإيمان.
İzinsiz ve kaynak gösterilmeden kullanılamaz. Ancak kaynak gösterip link vererek kullanabilirsiniz.