Ana Bölüme Geç
Kurani Hayat   telefon

Kullanıcı girişi

Bir Ayet

“Rasul,
‘Ya Rabbi!’ diyecek,
‘Gerçek şu ki,
benim kavmim
bu Kur’an’ı devri
geçmiş bir mesaj gibi
terk etti!’...”
Furkan, 30

 

Kimler çevrimiçi

Şu an 0 kullanıcı ve 5 ziyaretçi çevrimiçi.

Abonelik

Kuran Kısa Sureler

Kuran Kısa Sureler

الأضحية: المثول الدائم بين يدي الحضرة الإلهية - مصطفى إسلام أوغلو

Ocak 12, 2010 yazan admin

إن كلمة "قربان" المستخدمة في اللغة التركية مقتبسة عن القرآن الكريم (المائدة 5/25؛ آل عمران 3/183). وكلمة أضحية (أضحى، أضاحي، ضحية) الواردة في عبارة "عيد الأضحى" بالإضافة إلى كلمة هدي التي تعني الأضاحي المقدمة في الحج تستخدمان بحالة مجردة. ويقال نذر لـ "ذبيحة النذر" وعقيقة لـ "ذبيحة العقيقة". كما تستخدم في القرآن الكريم كلمات توحي بمعنى "القربان" مثل نسك، منسك، نذر، نحر، ذبح، ذبيحة.

 

تصب كلمة قربان من حيث المفهوم في نفس البوتقة مع العديد من المفاهيم القرآنية. وكمثال على ذلك كلمتي تبتيل (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ ! المزمل 8) التي أُمِر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية فترة نزول الوحي ـ وهي نوع من أنواع النذر ـ إلى جانب كلمة نذر التي استخدمتها والدة مريم (آل عمران 3/35). كذلك فإن كلمة نذر التي تعني النذر المؤسساتي حسب الشعائر اليهودية وكلمة تبتيل الواردة في القرآن الكريم التي تفيد النذر الفردي تعنيان تقديم العمر قربانا لله. كما أن الإنفاق والصدقة تعنيان التضحية بالثروة والوقف (أوقاف) التضحية بالمال والممتلكات غير المنقولة. وبنفس الشكل تعني الشهادة التضحية بالروح. وإذا نظرنا من نفس الزاوية يمكن اعتبار أن كلمتي ميثاق وعهد تعنيان الكون "قربانا للكلمة".

 

القربان: تحذير إلهي من الدنيوية

 

إن الغاية من تقديم الأضاحي ليست ـ ومن كل بد ـ "قرب الله" بل "التقرب إلى الله" لهذا لم تكن الصيغة المستخدمة قرب الله التي تعني تقرب الفاعل والمفعول به معا وإنما كانت التقرب إلى الله. فالله قريب من العبد أساسا وحتى أنه أقرب إليه من حبل الوريد والمسألة هي هل العبد قريب إلى الله أم لا؟ وتقديم الأضاحي يقرب العبد أولا إلى ذاته ومن ثم إلى الله كما هو الحال في كافة العبادات.

 

إن تقديم الأضاحي من المال أمر ذو مغزى يحمل رسالة واضحة مفادها الحيلولة دون دخول متاع الحياة الدنيا الذي وهبه الله للإنسان حاجزا بينه وبين ربه. وتقديم الأضاحي تمرين على استخدام النعم الدنيوية التي منحها الله للإنسان من أجل التقرب إلى الله وليس الابتعاد عنه وخلاصة ذلك "تحذير الإنسان من أن يكون دنيويا" وهو يشير إلى الجزء الثاني من معضلة "مالك أم مملوك؟". أي أن القربان يعلم الإنسان الطريق الصحيح لامتلاك الثروة دون أن يكون مملوكا لها فالإنسان لا يستطيع أن يعطي ماله عندما ينظر إليه كمالك وعندما لا يتمكن من العطاء لا يمكن له أن يكون مالكا بل مملوكا لما لديه. لكن عندما ينظر الإنسان لماله كأمانة حينها فقط يستطيع بذله، وعندما يبذل الإنسان ماله من أجل الله يتحول إلى مالك بالفعل.

 

كما هو الحال بالنسبة للعديد من العبادات الأخرى التي يأمرنا بها القرآن الكريم لم تظهر عبادة تقديم الأضاحي مع الدعوة المحمدية إذ نفهم من القرآن الكريم أنها شرعت أيضا للأمم السابقة "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا" (الحج 34).

 

إن كلمة منسك الواردة في الآية الكريمة تدل من حيث الصيغة على معان ثلاث في آن معا هي: "نحر الأضاحي، وقت النحر ومكان النحر". إلا أن جمع كلمة نسك المشتقة من نفس الجذر والتأكيد في الآية 162 من سورة الأنعام على أنها تفيد معنى "العبادة" يظهر أن عبادة تقدم الأضاحي تعتبر من الناحية التاريخية بمثابة "أم" العبادات.

 

وهذا ما تأكده قصة ابني آدم التي ترويها لنا سورة المائدة (الآية 27). فابني آدم المعروفين باسم قابيل وهابيل (أو ضمنيا: "أي شخصين من بني آدم") قدما قربان لله. ويخبرنا سفر التكوين في التوراة (4: 1-8) أن هابيل الذي كان يعمل بتربية المواشي قدم قربانه من مواشيه وقد تُقبل منه، أما قربان قابيل الذي كان يعمل بالزراعة فلم يُتقبل منه. والسبب في ذلك لم يكن اشتغال قابيل بالزراعة أو تقديمه قربانه من المحاصيل الزراعية وإنما كان أنه قدم قربانا من أسوأ ما عنده. وهذا الانحراف العاطفي والشعور المسموم الذي انتهى بأن أصبح قابيل قاتلا لأخيه لم يكن اسمه "الغيرة" أو "البخل" بل "حب الدنيا". ولقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الانحراف العاطفي في الحديث الشريف التالي: "حب الدنيا رأس كل خطيئة".

 

إن الحديث عن عبادة تقديم الأضاحي ترتبط في القرآن الكريم على الدوام بعبادة الحج لأن تقديم الأضاحي كان ومنذ زمن إبراهيم عليه السلام جزءا من الحج وجاء الحديث عن هذه العبادة بشكل مجرد في الآية الأخيرة من سورة الكوثر. إلا أن هذه الآية لا تأمر "بنحر الأضاحي" فقط بل تأمر بأن تكون كل القرابين والصلوات "من أجل الله". رغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحج يوما إلا أنه كان ينحر الأضاحي وكان يوصي أمته باتباع هذه السنة. قد يكون الرسول عليه الصلاة والسلام قد رمى من وراء ذلك لعدة أمور لا بد أن في مقدمتها جعل المؤمنين يشعرون ببهجة مناسك الحج عبر تقديمهم الأضاحي.

 

رأى إبراهيم عليه السلام في منامه أنه يضحي بابنه الوحيد الذي رزق به في آخر حياته ويقول القرآن الكريم مخاطبا إبراهيم "قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا" (الصافات 37/105) إذ عمل إبراهيم عليه السلام على تنفيذ ما رآه في منامه وأثبت استعداده التضحية بابنه الوحيد إسماعيل الذي كان يحبه حبا جما من أجل الله. ويفسر بعض أتباع المدرسة العرفانية كلمة تصديق الواردة في الآية الكريمة تفسيرا طريفا كما يلي: "يا إبراهيم! لقد صدقت الرؤيا (في حين كان عليك تفسيرها)"!. وفي النهاية فإن النتيجة هي ذاتها أي: إن الطريق للتضحية بإسماعيل ليست "النحر" وإنما "النذر".

 

إذا ما كانت غاية عبادة تقديم الأضاحي تحذير المؤمنين من خطر الدنيوية فإن حكمتها أيضا تكمن بمراعاة "مراتب الوجود" التي عينها الله وحددها لمخلوقاته.

 

تقديم الأضاحي يعلم مراتب الوجود

 

ثلاث أشياء تُتحرى في العبادات هي: العلة والمصلحة والحكمة.

 

ترتبط العلل بأسباب العبادات، والمصالح بالمنافع، أما الحكم فهي مرتبطة بالغايات.

 

من غير الممكن أن تكون العبادة بلا حكمة لأن:

 

1.    الله لا يعمل عبثا والإنسان أيضا. كما أن الأوامر والنواهي المفروضة على الإنسان ليست عبثا هي الأخرى: "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا" (المؤمنون 23/115).

 

2.    إن النيات هي ما يجعل العبادة عبادة. والنية هي حالة وعي لذا فهي بالتالي حالة هدف ومغزى ولا يمكن الحديث عن نية في موضع ينعدم فيه المعنى والهدف. وهذا الأمر ينطبق على عبادة تقديم الأضاحي أيضا والنية تظهر "أقصى غاية" لعبادة ما.

 

أحيانا تختلط الحكم بالعلل وأحيانا أخرى بالمصالح إلا أنها متعلقة بالغايات لأن الحكمة هي "إحكام" أو "حكم" يتم التوصل له عن طريق "المحاكمة". والآيات التي تتحدث عن إنزال "كتب وحكمة" على الأنبياء نتيجة قراءة تتم بالاستقراء تدلل على محاكمة من شأنها تحويل الكتاب إلى حياة. إن حكمة عبادة ما تعني "ربطها" بمكان ما في الحياة أي اكتشاف معناها وهدفها وتحديد الدور الذي تلعبه في "ما خلق له" الإنسان.

 

تعرف حكمة العبادات أحيانا عن طريق قرائن الحال والدلالات الصريحة والضمنية للنصوص التي تأمر بها، كما يمكن معرفتها في أحيان أخرى بطريق المحاكمة والاستقراء. لقد وردت حكمة عبادة تقديم الأضاحي بشكل مندمج في الآيتين 36 و37 من سورة الحج وهو الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي يفسر هدف تقديم الأضاحي:

 

"وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ /.../  كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.

 

"لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ(أيها النبي) الْمُحْسِنِينَ (برضا الله)" (الحج 22/36-37).

 

تظهر هاتان الآيتان ضرورة البحث عن البعد المعنوي لحكمة تقديم الأضاحي بعيدا عن العناصر المادية كلحومها ودمائها أو منافعها الاجتماعية والاقتصادية.

 

ثمة عبارتان في الآيتين المذكورتين تساعداننا على معرفة حكمة تقديم الأضاحي هما: " كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ" الواردة في نهاية الآية 36، و " كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ" الواردة في وسط الآية 37.

 

يكمن في التسخير سر أكرمية الإنسان فهو الذي يظهر تكريمه على سائر المخلوقات. إن الوظيفة اللغوية لحرف اللام الواردة في الآيتين الكريمتين تفيد معنى "التسخير لأمر الإنسان" بالإضافة إلى معنى "الخلق لتكون تحت إمرة الإنسان". وبعبارة أخرى فإن تسخير شيء ما للإنسان يعني أن الله قد كتب على ذلك الشيء أنه "مخصص لخدمة الإنسان". وكما يحدثنا القرآن الكريم فإن الله سخر الأنهار والنجوم والشمس والقمر والليل والنهار والبحار والأرض وكل ما في السماء والطيور والسحاب لخدمة الإنسان. والحيوانات التي تقدم كأضاحي هي بدورها من بين ما سخر لخدمة الإنسان. إن الحكمة من تقديم الأضاحي تكمن في اسم الإشارة كذلك الذي يعني ضمنيا "لقد شرعنا نحر الأضاحي كي نبين ما سخرناه".

 

يدل التسخير من حيث المفهوم على "مراتب الوجود" وتذكير القرآن الكريم بالتسخير يهدف بشكل غير مباشر للقضاء على الشرك، كما يهدف بشكل مباشر إلى لفت النظر لمراتب الوجود.

 

حرم الله تعالى الشرك لأنه يضر بالإنسان وليس لأنه يضر بجلالته فالشرك يذوي بالإنسان الذي خلق ليكون فاعلا ويجعله مفعولا به أمام الأشياء وكل شرك يكون نتيجة نسيان الإنسان مكانته في مراتب الخلق الإلهي.

 

الهدف الأساسي للتسخير هو لفت النظر لمراتب الوجود والتصور بأنه ليس في الوجود مراتب يعني في واقع الأمر اعتبار أن الخالق يخلق بالصدفة. وتصور مادي من هذا النوع لا ينتهي به المطاف إلى العدمية الأخلاقية فقط بل يؤدي لعدم معرفة الإنسان قيمته وحدَّه وبالتالي ينتهي الأمر بفناء الإنسان والإنسانية، وهذه حقيقة. يخبرنا القرآن الكريم أن الإنسان هو "أحسن المخلوقات" وهذا بحد ذاته دليل واضح على مراتب الوجود في الخلق الإلهي.

 

في كل مرة أخل بها الإنسان بمراتب الوجود وقع في ورطة. فعدم مراعاة مراتب الوجود يكمن في أساس كل الانحرافات التي تنتهي بإيجاد قدسيات زائفة وعند الإخلال بهذه المراتب يصبح القربان هو الإنسان. لهذا السبب فإن تقديم الأضاحي يعلم الإنسان قيمته أمام الأشياء وليس فقط حدوده أمام الله.

 

لنستذكر العناصر التي يؤكد القرآن الكريم تسخيرها لبني آدم: النجوم والشمس والقمر والمحيطات والأنهار والليل والحيوان... لقد شعر بني آدم بعجزه أمام بعض هذه العناصر وهذا الإحساس بالعجز تزايد إلى أن بات خوفا، والخوف بات تعظيما، والتعظيم تقديسا، والتقديس تحول إلى عبادة. ولنتذكر بأن الأقوام القديمة عبدت الشمس والقمر والنجوم والبحر والنهر. فعلى سبيل المثال كان المصريون القدماء يعبدون "إله الشمس" والسومريون القمر والأوريين النجوم. وكان تقديس المصريين للنيل من هذا الباب أيضا إذ كانوا يقدمون له قربانا فتاة بكرا في كل عام. وكان هذا الحال ساريا أيضا بالنسبة لليل الذي يخبرنا القرآن أنه هو بدوره مسخر للإنسان، فقد بدأ إنسان الجاهلية يتصور الليل وكأنه "إله الشر" إلا أن قسم القرآن الكريم به يعني أن الليل أيضا تحت إمرة الله.

 

من بين العناصر التي يخبرنا القرآن الكريم أنها مسخرة للإنسان الطيور والحيوانات البرية والداجنة. لقد أفضت المرحلة التي بدأت بشعور الإنسان بالمنة تجاه تلك المخلوقات إلى ترفيعه لها لمرتبة الربوبية وليس صدفة أن معظم الطوطميين والأقوام الإحيائية والوثنية قد عبدت حيوانات برية أو داجنة.

 

عند الإخلال بمراتب الوجود تصبح البقرة إلها!

 

يخبرنا الكلبي في كتابه "كتاب الأصنام" أن ثلاثة من الأصنام الخمسة الواردة في الآيتين 21 – 23 من سورة نوح كانت على هيئة حيوانات حيث أن يَغُوث كان "أسدا" وَيَعُوق "حصانا" وَنَسْرًا "نسرا" ولقد كانت تلك الأصنام أصنام قوم بني غطيف وحمدان والحميريين. ولكن ماذا بالنسبة لقريش؟ وماذا عن الجمل الحيوان الذي لا غنى عنه في تلك المنطقة؟ لماذا لا نراه صنما أيضا؟

 

لمعرفة الإجابة على هذا السؤال علينا قراءة الآية 103 من سورة المائدة:

 

"مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ".

 

لقد كان الناس في الجاهلية يقدسون الناقة التي تنجب خمسة بطون آخرها ذكر وكعلامة فارقة لها كانوا يقصوا آذانها ويتركونها لحالها ويطلقون عليها اسم بحيرة أي "مشقوق الأذن". ولأنها كانت تترك لتسيب في الأرض كانوا يطلقون عليها اسم سائبة. كما كانوا يقدسون أيضا الجمل الذي يولد من صلبه عشرة جمال وكانوا يتركونه لحاله يسرح في الأرض ويسمونه حام. وأيضا كانوا يقدسون ذكر النعجة التي تلد في أول بطن توأما ويسمونه وصيلة ويتركونه لحاله. وكانوا يميزون هذه الحيوانات بوضع علامة فارقة عليها ولم يكونوا يعتلون ظهورها أو يأكلون لحومها أو يستفيدون من وبرها وحليبها وهذا التصرف الذي يعزى سببه لشعور بالمنة لتلك الحيوانات كان ناجما عن إسباغ قدسية زائفة عليها. هذه القدسية الزائفة ومظهر التدين لهو أشبه ما يكون بشكر الخبز عوضا عن شكر صاحب الخبز وهذا التصرف كان يلحق الضرر بالحيوان أيضا لأن الناقة تكون قد أصبحت "ناقة الله" فلا يقدم لها طعام ولا شراب.

 

إن "الناقة" التي تحتل حيزا هاما في قصة هلاك قوم ثمود تظهر في الواقع أن الإخلال بمراتب الوجود كان السبب في العملية التي أفضت في النهاية لهلاك ذلك القوم. إن تعبير "ناقة الله" الوارد في قصة هلاك قوم ثمود هو في الحقيقة نفس التعبير المستخدم في عبارات مثل "بيت الله" أو "أرض الله" الذي يعني "المال العام". ويبدو أن تصور قوم ثمود ونظرتهم لـ "ناقة الله" كان على الأغلب تصورا مخلا بمراتب الوجود حيث أنهم تركوا تلك الناقة بلا ماء ولا طعام متبعين منطق "فليعتني الله بناقته". وكان شأنهم في ذلك كشأن مشركي مكة الذين كانوا يطلقون على الناقة التي يتركونها لحالها تسرح في الأرض أسماء مثل سائبة وحام ووصيلة. وبالنتيجة ضن قوم ثمود على ناقة الله بماء الله فكان تصورهم هذا سبب هلاكهم.

 

تعتبر مصر القديمة أفضل نموذج يمكن تقديمه عن الإخلال بمراتب الوجود.

 

ففي مصر القديمة كانت عبادة أبيس تتحل مكانة بارزة في الديانة المصرية إذ كان المصريون القدماء يقدسون عجل أبيس لأنه كان يحرث الأرض كما كانت البقرة ـ التي تأتي في مرتبة أدنى منه ـ مقدسة أيضا وتعتبر آلهة أدنى مرتبة من أبيس. وفي النهاية ونتيجة للإخلال بمراتب الوجود باتت دولة بأسرها تخضع لحكم عجل إذ كانت لرهبان أبيس مهمة وحيدة هي مراقبة العجل المقدس في معبد أبيس في ممفيس ورصد كل حركاته كهز ذيله أو أذنيه والأصوات التي يصدرها وتفسيرها. وكانت دولة بأسرها تقرر بهذه الطريقة ما إذا كانت ستخوض حربا أم لا وكانوا يحاولون عبر هذا الأسلوب أيضا معرفة هل سيفيض النيل في ذلك العام أم لا. وعندما كان ذلك الحيوان ينفق كانوا يعتبرونه "إلها" ويدفنوه في ضريح مهيب يطلق عليه اسم "سيرابيوم".

 

عندما ترك موسى عليه السلام بني إسرائيل وتوجه لتلقي الوحي أضلهم السامري وأخرج لهم من حليهم وزينتهم الذهبية عجلا. وهذا العجل يقع في مرتبة أدنى من مرتبة البقرة آلهة المصريين. لعل هذا أفضل مثال على ما تأول إليه عملية الإخلال بمراتب الوجود فمع مثل هذا الشعور بالدونية لا يجد الإنسان نفسه لائقا لعبادة ثور أو حتى بقرة ويكتفي بعبادة صغير البقرة (العجل). وهذا انحطاط لدرك "القردة الخاسئين" الذين يتحدث عنهم القرآن الكريم في الآية 65 من سورة البقرة، ومثل هذا الوعي المضطرب يحاول استبدال الحرية والعدالة بالفوم والبصل "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ" (البقرة 61).

 

بعد كل هذه التوضيحات التي سلف ذكرها يمكن تلخيص حكمة تقديم الأضاحي بما يلي: إن عبادة تقديم الأضاحي عبادة "رمزية" تبين لبني آدم أهمية مراتب الوجود. والآيتان 36 – 37 من سورة الحج اللتان تشرحان ماهية الأضاحي وتؤكدان مرتين على "التسخير" تتحدثان عن مراتب الوجود وليس شيء آخر.

 

بهذا المعنى فإن تقديم الأضاحي لا يقرب العبد إلى الله فقط بل يقربه بشكل ‘صحيح’ إلى ذات وجوده وإلى الموجودات التي تحيط به فتقديم الأضاحي وعد ضمني من العبد يقول فيه "إلهي أعدك ألا أخل بالمراتب التي وضعتها للوجود".

 

إن تقديم الأضاحي يعني القبول بحق الخالق في تحديد مكانة ومقام مخلوقاته ومراعاة ذلك الحق كما يعني أن عدم مراعاة ذلك هو ظلم للمخلوقات. والعقلية العصرية التي لا ترى هذا وتعتبر تقديم الأضاحي ظلما وتوحشا لهي أشبه ما تكون بحالة هتلر الروحية الذي كان يرى موت الملايين مقهقها ويبكي كلبه الميت في نفس الوقت. إن الرحمة عندما تتسمم تغدو مسمومة ورحمة مسمومة ليست رحمة بل هي الظلم بعينه. لا حاجة لنا بالذهاب إلى الهند حيث تقدس البقرة كي نرى ما يسفر عنه الإخلال بمراتب الوجود.

 

إن احترام الخالق يستوجب احترام المراتب التي عينها لمخلوقاته.

 

النتيجة

 

"لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ".

 

آمنا وصدقنا.

 

في هذه الحالة يمكن أن نقول بشكل واضح وصريح: إن إطلاق اسم "قربان" على الحيوانات التي ننحرها أمر مجازي إذ لا شيء منها يتقرب إلى الله، وبما أنه لا يمكن الحديث عن ‘تقوى’ الحيوان فإن الإنسان في الحقيقة هو من يقوم بإثبات الوجود عبر تقديمه الأضاحي.

 

ما معنى أن تصل تقوانا إلى الله رغم أن الحيوان هو الذي يُقدَّم قربانا؟

 

إن عروج الوعي إلى الحضرة الإلهية يعني صعوده للمقام الإلهي. وتماما كالمخلوقات الحية للأعمال الصالحة روح أيضا هذه الروح هي الوعي. والتقوى التي تصعد من العبد إلى الله رغم أنه لا يناله شيء من لحوم ودماء الأضاحي التي نقدمها، هي ذلك الوعي بعينه. فلندع كل التفاسير الإحلالية حول جسد الحيوان الذي يضحَى به لأن البطل الحقيقي في مسألة تقديم الأضاحي ليس الحيوان الذي يُنحر بل الإنسان الذي يَنحر. فالإنسان هو من يمتلك المقدرة على اكتساب القرب من الله بالتقوى. لهذا السبب لا يتعين على الإنسان أن يموت بل يجب عليه قطع الحبال الدنيوية بينه وبين ربه. وعندما يقوم الإنسان بذلك يكون هو القربان الحقيقي.

 

إن الأمر ليس كما تزعم النظرية الإحلالية فالتضحية بالكبش لم تنقذ إسماعيل عليه السلام من الموت لأنه قد مات في النهاية. المغزى واضح: إن تقوى إبراهيم عليه السلام لا حاجة لها بلحم ودماء إسماعيل كي تصل إلى الله.

 

ثمة شيء بقي خالدا مع نحر ذلك الكبش ألا وهو تقوى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أي أن الوعي (التقوى) الإبراهيمي والاسماعيلي تقرب إلى الله وصعد إلى الحضرة الإلهية. وبعبارة أخرى لقد انتصرت (الخشية) النابعة عن إدراك عظمة الله على (الخوف) الناجم عن الجهالة.

 

وهكذا تحول القربان ـ وكما توحي به هذه الكلمة التي تؤكد على "الاستمرارية" ـ إلى حالة "مثول دائم بين يدي الحضرة". والحال هو تماما كما يقول القرآن الكريم:

 

"قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى (وألا تنسوا أبدا أنكم بين يدي الحضرة الإلهية)".

 

****

 

يعلم تقديم الأضاحي الإنسان قيمته أمام الأشياء وليس فقط حدوده أمام الله وعبادة تقديم الأضاحي عبادة "رمزية" تبين لبني آدم أهمية مراتب الوجود

 

يرتبط الحديث عن عبادة تقديم الأضاحي في القرآن الكريم على الدوام بعبادة الحج وهذا الأمر الوارد بشكل مجرد في الآية الأخيرة من سورة الكوثر يأمر بأن تكون كل القرابين والصلوات "من أجل الله" وليس فقط نحر الأضاحي

 

الانحراف العاطفي الذي انتهى بأن أصبح قابيل قاتلا لأخيه لم يكن اسمه "الغيرة" أو "البخل" بل "حب الدنيا".

 

تسخير شيء ما للإنسان يعني أن الله قد كتب على ذلك الشيء أنه "مخصص لخدمة الإنسان"

 

إن العجل الذي أخرجه السامري لبني إسرائيل من حليهم الذهبية يقع في مرتبة أدنى من مرتبة البقرة آلهة المصريين. لعل هذا أفضل مثال على ما تأول إليه عملية الإخلال بمراتب الوجود فمع مثل هذا الشعور بالدونية لا يجد الإنسان نفسه لائقا لعبادة ثور أو حتى بقرة ويكتفي بعبادة العجل صغير البقرة

 

تماما كالمخلوقات الحية للأعمال الصالحة روح أيضا هذه الروح هي الوعي. والتقوى التي تصعد من العبد إلى الله رغم أنه لا يناله شيء من لحوم ودماء الأضاحي التي نقدمها هي ذلك الوعي بعينه

 

 

Share/Save

 

© 2010 Kuranihayat.com

İzinsiz ve kaynak gösterilmeden kullanılamaz. Ancak kaynak gösterip link vererek kullanabilirsiniz.

 

Aktif Medya