Ana Bölüme Geç
Kurani Hayat Yeni Sayı Kurani Hayat telefon

Kullanıcı girişi

Bir Ayet

“Rasul,
‘Ya Rabbi!’ diyecek,
‘Gerçek şu ki,
benim kavmim
bu Kur’an’ı devri
geçmiş bir mesaj gibi
terk etti!’...”
Furkan, 30

 

Kimler çevrimiçi

Şu an 0 kullanıcı ve 5 ziyaretçi çevrimiçi.

Kuran surelerin kimliği

الأسس الواجب مراعاتها عند ترجمة معاني القرآن الكريم

Eylül 2, 2010 yazan khd

مقال العدد

الأسس الواجب مراعاتها عند ترجمة معاني القرآن الكريم
مصطفى إسلام أوغلو
ترجمة: مروة داغستاني بارسيك

وحي القرآن هو الكلام الإلهي الذي يضم بين جنحيه المراد الإلهي.
الهدف والمغزى أول قانون للوجود. هذا القانون ينطبق أيضا على الكلام الإلهي فالقرآن الكريم يعبر لمخاطبيه عن هدف نزوله بعبارات مثل: "يُحْيِي"، "يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ"، "الْهُدَى"، "يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ"، "وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ".

القرآن مشروع بناء إلهي. البشر الذي اختير خليفة (=خادما وسيدا) على الأرض نُفخت فيه الروح وكُرِّم بالإنسانية. أي ـ وبتعبير القرآن الكريم ـ لقد كرم الله بني آدم وعيَّنه خليفة على الأرض وأوكل إليه مهمة إعمارها. وابن آدم ذاك عليه أن يكون خادما أولا. فعندما يكون المرء خادما يندفع نحو طلب المعرفة وهي أولى درجات سلم الوجود الطويل. يتعين على الإنسان أولا أن يعرف كيفية استخدام نفسه عملا بما تقوله حكمة "إعرف نفسك" أقدم الحكم على وجه البسيطة. لهذا السبب ينبغي على الإنسان قراءة دليل الاستخدام الإلهي الذي أُعد له أي: الوحي. فعندما يصبح الإنسان خادما للوحي يكون قد خطى ـ في ذات الوقت ـ أولى خطواته على درب معرفة ذاته ودرب سيادته للبسيطة وعند ذلك فقط تتحقق حقيقة كون القرآن مشروع بناء إلهي.

إن إمكانية تحقق كل هذه الأهداف رهن بإحياء المؤمنين القرآن لأن الشرط الذي لا غنى عنه ليعيش المرء القرآن هو أن يفهمه.

فهم القرآن فريضة. هو كذلك لأن أهم قواعد أصول الفقه تقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومن الحقائق المعروفة أيضا أن خطابا لا يُفهم معناه لا يمكن عيشه. القرآن كتاب الحياة فهو قد أرسل لمخاطبيه مرشدا لهم في حياتهم ليفوزوا بالحياة الأبدية. وبما أن فهم القرآن شرط لعيشه فإن ترجمته إلى لغات مختلفة تعتبر ضرورية أيضا من أجل فهمه.

ترجمة القرآن الكريم إحدى وسائل فهمه. إلا أن هذه الوسيلة ليست وسيلة عادية بل هي وسيلة لا غنى عنها فترجمة القرآن الكريم هي الخطوة الأولى التي تُمكِّن غير الناطقين بلغته الأصلية ـ العربية ـ من فهمه أما التفاسير والتأويلات فهي خطوات تأتي بعد ذلك.

العربية لغة القرآن وليست لغة الله. لقد ذكر ربنا تبارك وتعالى في القرآن الكريم أن "العربية" هي صفة القرآن أي أن لغة الوحي ليست جوهره بل مظهره وهذا أمر ذو معنيان:

1- إن كون القرآن عربيا ليس متعلقا بـ "الله" مصدر الوحي أو بالوحي بحد ذاته ـ الذي هو خطاب الله للإنسان ـ بل هو أمر متعلق بالنبي (ص) الذي كان أول من خاطبه الوحي وبالمجتمع الذي ظهر فيه ذلك النبي. لهذا السبب يقول القرآن الكريم: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ" (إبراهيم 14/4). هذه الآية تشير إلى أن الهدف من إرسال الوحي الإلهي بلغة ما إلى البشر هو تفهيم مخاطبيه المراد الإلهي. خلاصة القول، إن الإجابة على سؤال "لماذا أُنزل القرآن عربيا؟" تكمن بحذافيرها في الإجابة التي يقدمها القرآن الكريم في الآية الرابعة من سورة إبراهيم والتي هي أيضا إجابة على سؤال "لماذا تجب ترجمة القرآن إلى لغات أخرى؟".

2- كما يتعذر فصل العرض عن الجوهر، لا يمكن أيضا فصل كون القرآن عربيا عن القرآن. لهذا السبب لا يمكن لأي ترجمة للقرآن الكريم أن تحل محل الأصل ولا يمكن إطلاق كلمة قرآن على أي ترجمة له فالعربية هي لغة القرآن بشهادة الله ولا يمكن لأي لغة سواها أن تحل محلها. رغم أن العربية كانت لغة أول من خاطبه القرآن الكريم وأول قوم خاطبهم فهي قد تحولت إلى "لغة القرآن" عندما عبر المراد الإلهي عن نفسه بها. إن الوحي لم يكن أداة بيد اللغة بل على العكس كانت هي أداة طيعة بيد الوحي الذي استخدم إمكانياتها وأعاد بناءها من جديد. لقد محى القرآن الكريم العديد من مفاهيم اللغة العربية وأعاد بناءها كمفاهيم الإيمان والإسلام والهداية والتقوى والنفاق والإنفاق والضلالة والجهل. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن القرآن فاعل للغة العربية وليس مفعولا به لها.

خلاصة الكلام: الحكمة الإلهية لكون القرآن عربيا هو أن يفهمه أول قوم خوطبوا به. وكون القرآن عربيا ـ لتحقيق الهدف المتمثل بفهمه ـ لا يجب تفسيره بحال من الأحوال عائقا يحول دون فهمه فذلك يعني تحميل كون القرآن عربيا معنى لم يرمي إليه القرآن كما يعني أيضا تجاوز الحد ومن الحقائق المعروفة أن ما يزيد عن حده ينقلب إلى ضده. مثلما أن اعتبار ترجمة القرآن إلى أي لغة قرآنا هي مغالطة كبرى، فإن اعتبار لغة القرآن عائقا لا يمكن تجاوزه لفهم القرآن هو مغالطة كبرى أيضا. وإن أكثر الناس براءة ممن يقعون في المغالطة الثانية يتحججون بحرمة القرآن والخوف من احتمال إضاعة معناه وحكمته. هذه المقالة خُطت لدحض مثل هذه الحجج وإلقاء الضوء على الأمور التي يتعين مراعاتها عند ترجمة معاني القرآن الكريم.

***

تتناول المقالة التي بين يدي القارئ المبادئ الواجب مراعاتها عند ترجمة معاني القرآن الكريم تحت سبعة بنود رئيسية. وبالتأكيد لا يمكن حصر جميع تلك المبادئ هنا إذ ثمة أسس أخرى أيضا يمكن تعدادها. بوسعنا تصنيف المبادئ السبعة المذكورة في مقالتنا في مجموعات ثلاث على النحو التالي:

أ‌- المبدأين الأول والثاني ويندرجان تحت بند "الأسس الضرورية".
ب- المبدأ الثالث والرابع والخامس وتندرج تحت بند "الأسس الحاجية".
ج- المبدأين السادس والسابع وهما متعلقان بالناحية الجمالية ويندرجان تحت بند "الأسس التحسينية".

1. وجوب الأخذ بمنهج وتبيانه
يقول الأسبقون حكمة لا تبلى ألا وهي: اللامنهجية لا توصل إلى نتيجة. إن القسطاس الذي يساعد على التمييز بين بحث علمي وآخر اعتباطي هو هل اتبع ذلك البحث منهجا أم لا. إن ترجمة القرآن ونقل معانيه إلى لغة أخرى مسؤولية كبرى تلزم من يتحملها بضرورة اتباع المنهجية.

كل منهج يبنى على أصل والأصل الذي سيبنى عليه المنهج يشكل "ماهية" البحث أما المنهج الذي سيبنى على ذلك الأصل فيشكل "هويته".

ينبغي أن تعتمد عملية ترجمة معاني القرآن منهجا ذو أبعاد ثلاثة.

1.1. منهج اللغة

ترجع أصول النقاشات بشأن مصدر اللغة ـ هل هي بطريق المواضعة أم هي التلقين والتعليم الإلهي ـ إلى ما قبل عهد الإغريق وتمتد حتى عهد مصر القديمة. إلا أن تلك النقاشات تجلت بصورة مغايرة في الحضارة الإسلامية حيث كان السؤال الذي طرح بهذا الشأن هو: هل اللغة سمعية أم قياسية؟ وفي حين قالت مدرسة اللغة في الكوفة إن مصدر اللغة ‘سمعي’ قالت مدرسة اللغة في البصرة إنه ‘قياسي’. يتعين على من يقوم بترجمة معاني القرآن أن يوضح في منهجه الموقع الذي اتخذه من هذه النقاشات القديمة. لكن لو كان كذلك لأصبح الكلام على صدده لأنه إذا شاطر القائلين بالسمعية ‘رأيهم’ فهذا يعني أنه سيتخذ من المقابلات اللغوية للكلمات أساسا له في عمله، وإن شاطر القائلين إن مصدر اللغة ‘قياسي’ فهذا يعني أنه سيتخذ أساسا له في عمله المقابلات الشرعية والاصطلاحية التي تشكلت فيما بعد للكلمات. وهذا الأمر يمس وبشكل مباشرة ترجمة معاني القرآن لذا لا يستطيع من يقوم بالترجمة التمنع عن تعيين وتحديد موضعه من هذا النقاش القديم.

على من يقوم بترجمة معاني القرآن الإفصاح عن موقفه في منهجه اللغوي من تعدد المعاني والترادف. فالشريانان المتضادان في مسألة الترادف على الأخص قد انعكسا أيضا على علم التفسير ولعبا دورا هاما في تشكيل مدارسه. فعلى سبيل المثال يرى أبو الحسن علي الرومي (وفاته 384 هـ) مؤلف كتاب الألفاظ المترادفة "جواز استخدام كل الأدوات مكان بعضها بعضا" لكن بالمقابل يرفض أبو هلال العسكري (وفاته 400 هـ) ذلك الرأي رفضا قطعيا ويقول في كتابه الفروق اللغوية ـ الذي ألفه ليبين أن الكلمات التي يُقال إنها مترادفة ليست مترادفة ـ يقول إنه "لا توجد كلمتان مترادفتان بالمعنى المطلق". ينبغي على من يقوم بترجمة معاني القرآن الكريم تحديد موقفه من هذين الشريانيين وإسناد اختياره إلى تفسير علمي معقول وهو ـ أي المترجم ـ إن لم يفعل ذلك سيتعذر علينا أن نفهم عند قراءتنا ترجمته لمعاني القرآن الكريم إن كان قد عامل الكلمات ذات المعنى المتقارب مثل: خلق وجعل، حلف وقسم، ألفينا ووجدنا، مقيت وحسيب، حنانا ورحمة، سيئات وذنوب، أجداث وقبور، صواع وسقاية، شك ـ ريب ـ مرية، إعراض ـ تولي ـ ذرهم، غضب ـ لعنة ـ سحت؛ سيتعذر علينا أن نفهم هل عامل مثل هذه الكلمات ذات المعنى المتقارب معاملة الكلمات المترادفة أم لا وهل راعى هذه المسألة أم لم يراعيها. إن الأعمال التي تستند إلى منهج تستحق النقد أما عديمة المنهج فليست جديرة حتى به.

2.1. منهج الترجمة

البعد الثاني الذي يتعين تحديده عند ترجمة معاني القرآن الكريم هو منهج الترجمة فكل لغة ’عالم قائم بحد ذاته‘ والترجمة هي نسج خيوط بين عالمين. ولا تعتبر الترجمة من حيث المبدأ عملية تحويل "لفظي" بين لغة المصدر ولغة الهدف بل هي عملية نقل "معاني". إن ابن عباس لم يلقب بـ "مترجم القرآن" لأنه ترجم القرآن إلى لغة أخرى بل لأنه "نقل معنى الوحي من المصدر إلى الهدف بلسان مفهوم".

يتعين على مترجم معاني القرآن الكريم الإفصاح عن أسلوب الترجمة الذي اختاره من بين الأساليب التالية وعن سبب اختياره لهذا الأسلوب:

أ- أسلوب الترجمة الحرفية
ب‌- أسلوب الترجمة المقاربة
ج- أسلوب الترجمة المختلطة

إذا أفصح المترجم عن الأسلوب الذي اختاره في منهجه أثناء الترجمة تُنقد ترجمته من حيث مدى مطابقتها لذلك الأسلوب وإذا لم تطابق الترجمة المنهج المختار يُسأل المترجم عن سبب ذلك. لكن إذا لم يفصح عن أي منهج فعلى أي أساس يمكن إذا نقد الترجمة؟

3.1. منهج البلاغة

المنهج الثالث الذي يتعين تحديده عند ترجمة معاني القرآن الكريم هو منهج النحو والبلاغة. لم تواجه التفاسير التي كتبت في الفترات الأولى مشكلة من هذا القبيل ففي البداية كان النحو والبلاغة أمرا واحدا وبهذين الجناحين حلق عصفور الكلمة إلى قمة البلاغة. وكان هذا المنهج يعني عدم فصل المعنى عن القواعد وهو المنهج الذي اتبعه سيبويه وسار عليه من بعده الفرَّى (وفاته 207) والمبرد (وفاته 286 هـ) وثعلب (وفاته 291 هـ) والزجاج (وفاته 311 هـ). وحول عبقري اللغة أبو علي الفارسي (وفاته 377 هـ) هذا الخط إلى مدرسة نقلها ابن جني (وفاته 392 هـ) إلى القمة في النحو، وابن فارس (وفاته 395 هـ) إلى القمة في الاشتقاق، وعبد القادر الجرجاني (وفاته 471؟ هـ) إلى القمة في البلاغة، وراغب الأصفهاني (وفاته 502 هـ) إلى القمة في علم مفردات القرآن والزمخشري (وفاته 538 هـ) إلى القمة في التفسير.

لكن بعد ذلك فتت النهج الذي اتبعه الرماني والسكاكي وقزويني وابن هشام هذه الوحدة وأصبح ذلك التجزيء مشكلة أساسية في تعليم اللغة العربية التقليدية. ففي مدارس العهد العثماني ـ التي تبنت النهج أحادي الجناح ـ حلق عصفور الكلام بجناح النحو فقط دون جناح البلاغة فلم يبلغ هدفه المنشود وكانت النتيجة أن وصلنا في نهاية المطاف إلى هذه النهاية الحزينة في منهج تعليم اللغة العربية التقليدية. على مترجم معاني القرآن الكريم أن يبين لقارئه هل استخدم منهجا يتبنى البلاغة والنحو معا أم يفصل بينهما وذلك كي يتسنى تحديد حصة منهج البلاغة المختار في النتائج التي توصل إليها المترجم في ترجمته.

2. وجوب مراعاة ثلاثي اللفظ ـ المعنى ـ المقصد في الترجمة

1.2. يجب أن يكون اللفظ والمعنى شاهدين وأن يكون المقصد حكما

عندما كان الله في مركز الفهم كان الوحي في مركز الحياة. وفي تلك الأزمنة كان يُتناول المعنى بالشكل الصحيح ويتم إنتاجه وتبليغه وكان استمرار ذلك مرهونا بعدم تجزئة ثلاثي اللفظ ـ المعنى ـ المقصد. إلا أن محاولات فصلهم ضعضعت في كل مرة بناء المعنى وبالنتيجة توقف إنتاجه مما سبب النتائج التالية:

1) عند تجاهل المقصد توارى المعنى وغاب عن الأنظار ولم يعد بوسعه أن يكون منتجا.
2) شيئا فشيئا تضاءل المعنى الذي بات يتعذر إنتاجه وبات يرى عنصرا يمكن تجاهله.
3) في نهاية المطاف ولتلافي النقص الذي تشكل بالنتيجة بدأ تبجيل اللفظ.
4) بات اللفظ المبجل موضوع حس وليس موضوع معنى.
5) بعد أن أصبح اللفظ موضوعا حسيا بات مفعولا به وأصبح من السهل إقصاؤه خارج الحياة.

وبالنتيجة لم يعد الوحي هو الفاعل الذي يبني الحياة.

عند تجاهل المقصد قد لا يكون اللفظ والمعنى كافيان وحدهما لفهم المراد الإلهي. مثال على ذلك المراد من كلمة "شفاعة" الواردة في 25 آية مختلفة في القرآن الكريم. إذا تم تجاهل التأويل والتأليف والمقصد كيف يمكن فهم المرام الإلهي في الآيتين التاليتين: "قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا" (الزمر 39/44) وفي الآية "لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى" (النجم 53/26)؟

2.2. وجوب بناء ترجمة القرآن الكريم على أساس "بحث الدلالة" وليس الهرمونتيكية

ظهرت الهرمونتيكية في الغرب كأسلوب للفهم والتفسير وهو أسلوب يبيح للمرء وضع نفسه مكان الكاتب بل وحتى جواز الادعاء بفهم ما خطه الكاتب أكثر منه. لهذا السبب تعتبر الهرمونتيكية نموذجا للفهم والتفسير "لا يعترف بحدود". ويقابل هذا الأسلوب في حضارتنا أسلوب "بحث الدلالة" المتُبَّع في الفهم والتفسير. ويشكل بحث الدلالة العمود الفقري في عملية الفهم والتفسير في العلوم الإسلامية. تنقسم دلالة اللفظ على الحكم حسب مناهج أصول الفقه إلى أقسام أربعة هي:

1) دلالة العبارة أو عبارة النص: ويطلق عليها المعنى الحرفي للصيغة أو النص. ومعنى العبارة هو عبارة النص وصيغته المكونة من مفرداته وجمله وهي تعرف إصطلاحا بأنها دلالة اللفظ على المعنى المتبادر فهمه والمقصود من السياق أصالة أو تبعا.
2) دلالة الإشارة أو إشارة النص: وهي دلالة اللفظ على حكم غير مقصود من سوق الكلام أصالة أو تبعا ولكنه لازم للمعنى الذي ورد الكلام لإفادته.
3) دلالة الدلالة أو دلالة النص: فهم غير المنطوق من المنطوق بسياق الكلام ومقصوده أو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق للمسكوت عنه لاشتراكهما في علة تفهم بمجرد فهم اللغة من غير نظر واستنباط.
4) دلالة الاقتضاء أو اقتضاء النص: وهي دلالة اللفظ على مسكوت عنه يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته. أو هي دلالة الكلام على لازم متقدم يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عقلا أو شرعا.

تقسم الألفاظ من حيث المعنى الذي تفيده إلى: خاصة وعامة ومشتركة ومبهمة؛ ومن حيث مدلولها على المعنى ودرجات دلالتها إلى: مجمل ومشكل وصريح ونص، ومُفسر ومؤول؛ ومن حيث الاستخدام إلى: مجازية وحقيقية وصريح وكناية. اللفظ يأخذنا إلى المعنى والمعنى يعبر عن الحقيقة، والحقيقة تستند إلى الحكمة، والصفة التي تحدد الحكم هي العلة. والحكمة والعلة ليستا سببية أحادية البعد. ويقال للأمر الذي يرجى الحصول عليه عبر هذه العملية "المقصد" وأساسا لا يمكن الوصول إلى حكمة المعنى إلا من خلال إدراك المقصد.

ينبغي أن تتوخى ترجمة معاني القرآن الكريم هدف نقل المراد الإلهي من لغة المصدر إلى لغة الهدف. ولا يمكن لأي ترجمة تحمل هذا الهدف أن تخلو تماما من التفسير وهذا ما تعنيه ترجمة المعاني أساسا. لكن يجب أن يخلو التفسير من الاعتباطية الأمر الذي لا يمكن تحقيقه إلا باتباع منهج سليم "للفهم والتفسير". هذا المنهج هو بحث الدلالة الذي يعتبر جزءا من "أصول الفقه" أوسع منهج أنتجه الفكر الإسلامي.

3. وجوب أن يكون الإخلاص للنص هو الأساس

1.3. يجب تفادي زيادة المعنى وإنقاصه

يجب أن يكون هدف ترجمة معاني القرآن الكريم هو نقل المعنى من لغة المصدر إلى لغة الهدف دون تعريضه ـ قدر المستطاع ـ إلى حوادث على هذا الدرب. فالمعاني قد تتعرض على درب نقلها من المصدر إلى الهدف إلى حادث قد يتجلى في أحيان بتوسيع المعنى وفي أحيان أخرى بتضييقه وفي كلتا الحالتين يكون الحيد عن المعنى هو النتيجة.

مثلما ينبغي عدم مناقضة المعنى للفظ والمقصد للمعنى ينبغي أيضا ألا يكون اللفظ حجابا على المعنى ولا المعنى حجابا على المقصد. أي وبعبارة أوضح يجب ألا يكون اللفظ حجابا على ترجمة المعاني، ولا الترجمة حجابا على المعنى، ولا المعنى على المفهوم، ولا المفهوم على المقصد، ولا المقصد على الحقيقة.

2.3. يجب إرجاع المفاهيم والمصطلحات إلى معانيها الأصلية

تستخدم المفاهيم القرآنية في بعض الأحيان خارج إطار معناها الأصلي وخصوصا في اللغات التي تأثرت بالعربية ـ لغة القرآن ـ كاللغة التركية. وهذا أمر لا مفر منه. في هذه الحالة يكون الأمر الذي يجب عدم الحيد عنه بتاتا عند ترجمة معاني القرآن الكريم هو إرجاع المصطلحات القرآنية ـ التي حُرِّف معناها في تلك اللغة ـ إلى معناها الأول والأصلي وعدم نقلها أبدا بمعناها "اللفظي". يمكننا تقديم المصطلحات التالية: التقوى، الإسلام الملة أمثلة نموذجية عن ذلك.

في اللغة التركية حل مفهوم التقوى محل مفهوم "الزهد" فعندما يُقال "رجل تقي" يتبادر إلى الذهن "الرجل الذي يكثر من النوافل" إلا أن هذا المعنى ليس المعنى الأصلي المقصود في القرآن الكريم من التقوى.

عندما يقال إسلام في يومنا هذا يتبادر إلى الذهن أن المقصود هو الديانة التي ظهرت مع "أمة محمد" لكن هذا يعتبر خطأ فادحا بالنظر إلى المعنى المقصود في القرآن الكريم. فالإسلام في القرآن هو اسم "درب التسليم" الذي نسب لجميع الأنبياء تقريبا والذي عمره من عمر الإنسانية.

يفيد مفهوم ملة في القرآن الكريم معنى "المجتمع الذي يشترك بعقيدة واحدة". وترجمة هذا المفهوم كما هو أو تركه دون شرح يذهب بالقارئ ضحية فهم خاطئ.

الأخطاء ذاتها ارتكبت في مصطلحات قرآنية أخرى أيضا. فعلى سبيل المثال قام بعض المترجمين بترجمة العبارات التالية كما يلي: لِيَتَفَقَّهُوا: ليتعلموا علم الفقه (مع العلم أن علوم وأصول الفقه دُوِّنت بعد حوالي 150 عاما على الأقل من نزول القرآن الكريم)، يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ: يقرأون الصلاة على النبي (في هذه الآية يشترك ثلاثة فاعلين هم الله والملائكة والمؤمنون بفعل واحد: يصلون.. صلوا.. وهنا يوجد أمر بأداء فعل هو الصلاة. يفيد المعنى الجذري لكلمة صلاة "الدعم" وأساسا لا يمكن للفاعلين الثلاثة: الله والملائكة والمؤمنون أن يشتركو بفعل واحد إلا في إطار هذا المعنى. وإعطاء التفسير التقليدي معنى مختلفا لكلمة صلاة فيما يخص الله ومعنى آخر فيما يخص الملائكة وآخر فيما يخص المؤمنين ينتهك أبسط قواعد اللغة. إذ قد تحمل كلمة معان متعددة إلا أنه لا يمكن لكلمة ما أن تستخدم في موضع واحد إلا بمعنى واحد. والقول بعكس ذلك يعني أن النص لا معنى له وهذا يوازي القول بأن المراد الإلهي لايوجد في النص)، فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ: فويل لمؤدي الصلاة المكتوبة (إن الخطاب هنا موجه لمن يكذب بالدين والمقصود بصلاة المكذب بالدين ليس الصلاة المكتوبة بل معنى أعم من ذلك)، مَقَامًا مَحْمُودًا: مقام محمود (يقصد بالمحمود هنا اسم من أسماء النبي عليه السلام)، مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا: منا ومن علم اللدن.

3.3. يجب عدم ترجمة التعابير الموجودة في لغة المصدر بل استخدام مقابلات معادلة لها في لغة الهدف

تعتبر مسألة المصطلحات والتعابير الاصطلاحية من الأمور المهملة عند ترجمة معان القرآن الكريم أو التي يُمر عليها مرور الكرام ومحاولة ’ترجمة‘ تلك المصطلحات والتعابير بتفكيك بنائها تودي إلى إضاعة معناها الأصلي. من تلك المصطلحات على سبيل المثال: رَيْبَ الْمَنُونِ ، سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، ثَانِيَ عِطْفِهِ.

4.3. يجب ملئ ما بين الأقواس باقتباسات من القرآن الكريم وليس اعتباطيا

لعل أفضل مثال على ذلك هو وضع كلمة (يا حبيبي) بين قوسين قبل الآيات التي تخاطب النبي عليه الصلاة والسلام بصورة غير مباشرة. لكن وبالنظر إلى القرآن الكريم نرى أنه يخاطب النبي عليه السلام في الكثير من المواضع بلفظين هما: 1. "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ!" 2. "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ!". لذا فإننا إذا رغبنا بإضافة خطاب بين قوسين في مستهل الآيات التي لا تتضمن خطابا لفظيا للنبي عليه السلام فإن ذلك يجب أن يتم بالاقتباس من القرآن الكريم فهذا يعني ـ وقبل كل شيء ـ التحلي بأخلاق القرآن. الإخلاص للكلام هو ضد الاعتباطية وضد عدم الاقتناع بقيمة الكلام. إن عقلية لا تعتبر شكل الخطاب الذي استخدمه الله كافيا وتضيف إلى القرآن الكريم شكل خطاب اعتباطي يجب وقبل كل شيء أن تُسأل عن نظرتها إلى القرآن الذي جلست أمامه لترجمة معانيه.

4. وجوب إضافة شرح وملاحظات

يقدم لنا النص أكثر من معنى ولذلك أسباب عدة كاختلافات القراءة ومرجعية الضمائر والاشتقاق واللفظ والعبارة والنص والمعنى والمقصد والصرف والنحو والبلاغة. ولدى اختيارنا أحد هذه المعاني دون آخر قد يضيع معنى نص المصدر أثناء نقله إلى نص الهدف. وهذا التصرف ليس تصرفا محقا على الإطلاق ولا يمكن الاكتفاء بمجرد القول إن "هذا اختيار المترجم" إذ ليس هناك أي عذر شرعي للمترجم في إضاعة معنى القرآن. وإذا قدم النص ـ ولأسباب كثيرة ـ للمترجم أكثر من معنى فعليه عندها اختيار أحدها دون أن يغفل الإشارة إلى المعاني الأخرى من خلال ملاحظة وتفسير يعللان سبب اختياره. لكن على المترجم ألا يضيع ولا يحق له أبدا إضاعة المعاني البديلة التي لم يخترها فهو ربما يخطئ في اختياره وقد يكون المعنى الذي لم يختره هو المعنى الصائب. بل قد تكون الكثير من الأسرار كامنة في معنى لم يقع عليه اختياره، وقد يستطيع شخص متخصص الوصول إلى تلك الأسرار بشكل أفضل من المترجم، وقد يكتسب معنى مهملا مع مرور الزمن أهمية...

إلى جانب الشرح والملاحظات يمكن أيضا إضافة أشياء أخرى عند ترجمة معاني القرآن الكريم مثل الإشارة إلى أمور متوازية ومتقاطعة مع الموضوع الذي تطرقت إليه الآية. كما يمكن أيضا إضافة ملاحظات تضع شاهدي اللفظ والمعنى أمام حَكم المقصد، وأيضا شروحات لغوية ضرورية، ونوادر بلاغية.

1.4. يجب أن تكون النظرة الكلية وليس الجزئية هي الأساس في الملاحظات

كل من عني بالأمر يعرف المشاكل التي وضعها أمامنا ـ على مر التاريخ ـ التصور الجزئي للقرآن الكريم والذي يمكن أن نسميه "تطويع الكتاب" وليس "إطاعته" فمن خلال هذا التصور يمكن تَقوُّل أي شيء على القرآن الكريم. وللابتعاد عن أضرار هذا التصور المجزَّأ والمجزِّء يجب ومن كل بد تبني أسلوب يأخذ السياق بعين الاعتبار ويعتمد على القراءة الاستقرائية.

تعتبر الآيتان التاليتان من سورة النجم نموذجا مثاليا عن التصور الجزئي: "وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" (النجم 53/3 – 4). هاتان الآيتان فسرتا ـ إلى جانب الحديث المتعلق بهما ـ منذ القرن الثالث للهجرة وحتى الآن على نحو مغاير تماما لمعناهما الأصلي رغم أن الآية التي تليهما تشير بوضوح إلى أن المقصود من السياق هو وحي القرآن وبأن ما لا ينطقه النبي عليه السلام عن الهوى هو الوحي.

2.4. يجب ربط الآيات المتعلقة بموضوع ما ببعضها عبر مراجع متقاطعة ومتوازية

القرآن الكريم ليس مجرد مفعول به للتفسير (مُفسَّر) بل هو في ذات الوقت فاعل له (مُفسِّر). فأول تفسير للقرآن تم من داخله لذا يجب أولا البحث فيه عن معنى بعض المصطلحات والمفاهيم والتعابير الواردة في القرآن ويجب على المترجم القيام بذلك وعدم تركه للقارئ كما يتعين عليه ومن كل بد إضافة ملاحظات تشير إلى هذه الصلة. فعلى سبيل المثال يجب عطف الآية 35 من سورة البقرة التي تتحدث عن الشجرة التي نهي آدم عن الاقتراب منها، على الآية 20 من سورة الأعراف والآية 120 من سورة طه. وبالشكل ذاته يجب فهم عبارة "كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى" الواردة في الآية 73 من سورة البقرة على ضوء الآية "وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" (32:5). كما يجب فهم الآية 104 من سورة البقرة على ضوء الآية 46 من سورة النساء، وفهم الآيتين 62 من سورة البقرة و69 من سورة المائدة ـ اللتان تثير الكيفية التي يجب فهمهما على نحوها جدلا كبيرا ـ على ضوء الآية 136 من سورة البقرة.

3.4. يجب الإشارة إلى فروق القراءات الناجمة عن الإملاء

إن وجود اختلافات في قراءة اللغة العربية أمر طبيعي جدا فعند بدء كتابتها كانت العربية خالية من التنقيط والتشكيل. ولقد اشتهرت بعض هذه الاختلافات بـ "اختلاف القراءة". ويجب أن تضاف إلى ذلك أيضا اختلافات القراءة التي من شأنها حل المشاكل المتعلقة بفهم القرآن. فعلى سبيل المثال تقول الآية 25 من سورة الكهف إن أهل الكهف "لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ" لكن بعد ذلك مباشرة وفي الآية 26 ترد عبارة "قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا". إن مشكلة الفهم ـ التي قد تظهر للوهلة الأولى بين الآيتين ـ تحلها بشكل جذري رواية "(قالوا) لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ" والتي تذكر المصادر أنها قراءة ابن مسعود. يتعين على مترجم معاني القرآن الكريم توضيح مثل هذه الأمور عبر إضافة ملاحظة كي لا يصيب ذهن القارئ أي تشوش.

4.4. يجب أن تشير الملاحظات إلى ما يريد الوحي قوله وليس إلى ما يقوله

ماذا تعني مثلا الأوامر القرآنية للنبي عليه السلام: "ذَرْهُمْ" و"فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ"؟ أولم يبعث الله النبي (ص) لتبليغ رسالته؟ أولم يقل له: "فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ" (الغاشية 88/21). إذا قال الله للنبي الذي أمره بأن يكون مذكرا "فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ" فإنه يجب حتما شرح الغرض من ذلك عند ترجمة معاني القرآن.

5. وجوب استفادة الإسلام من ميراثنا العلمي

لا يمكن ترجمة معاني القرآن بتجاهل الإرث العلمي التقليدي وفي مقدمته علوم القرآن والتفسير إن هذا الأمر يناقض فطرة المعرفة. ثمة متغيرات وثوابت لخطاب القرآن، وثوابت هذا الخطاب هي ثوابت علم التفسير وثوابت علوم القرآن أيضا. كيف سيمكن معرفة إن كان خطاب القرآن الكريم لمخاطبه العصري حديثا أم قديما دون معرفة المعايير التي تم التوصل إليها حتى اليوم؟

إن عدم الإشاحة عن إرث العلم التقليدي لا يعني تقديسه ولا يعني إطلاقا تكراره بحذافيره لأن الفهم هو فعل يكون فيه الإنسان فاعلا وليس مفعولا به والفهم ـ بهذا المعنى ـ هو تأسيس حوار بين فاعلين: القرآن والإنسان. الدين إلهي في مصدره، إنساني في هدفه. لذا فمصدر الدين ثابت أما هدفه فمتغير وما يجعل الدين والخطاب الإلهي حيا وراهنا وفعالا هو طبيعته المزدوجة تلك. وحتى يفتح نفسه لعقل مخاطبه يضم الكتاب بين جنحيه المتشابهات وليس المحكمات فقط، المجاز وليس الحقيقة فقط. ولو لم يكن القرآن كذلك لما بقي هناك معنى لأوامر التذكر والتفقه والتدبر والتعقل والتفكر.

إن أسلوب النقد الأدبي والاستقراء هما طريقان فقط من طرق تدبر القرآن الذي يعتبر ـ أي التدبر ـ أسلم الطرق للاحتماء من الانجراف وراء تيار العادة. ويمكننا تناول فائدة هذا الأسلوب عبر بعض الأمثلة:

تقول الآية 12 من سورة الإنسان: "وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا". إن معايير التفسير التقليدي تتفق على أن الشيئين الموعودين في الآية الكريمة هما الجنة والحرير (لباس الحرير). إلا أن هذا المعنى يناقض بلاغة القرآن الفريدة لأن: 1) هناك أساسا حرير في الجنة. 2) إن ذكر الحرير بعد ذكر الجنة لا يمكن اعتباره جزءا من كل بل هو أصغر بملايين المرات من الجزء. 3) الوعد الذي يأتي بعد الوعد بالجنة يجب أن يكون مساويا لها في القيمة أو أكبر منها. إلا أن القضية تُحل لدى إضافتنا إلى كل ما ذكرناه المرادف اللغوي لكلمة حرير: "الحَرِير، وهو المحرور الذي تداخَلَهُ غيظٌ من أمرٍ نزل به" (ابن فارس، مقاييس اللغة) أي أن المقصود من الحرير هنا هو "الحرية بالمعنى الكامل" والجنة هي أساسا دار الحرية اللامنتهية.

كما يسعنا كذلك تقديم مثال مشابه من الآية الثانية من سورة العلق. إذ تتفق معاييرنا للتفسير حول أن المقصود من العلق هو ’المضغة‘وهي مرحلة من مراحل تشكل الجنين في بطن أمه وإعطاء مرادفات لها مثل "جنين، خلية، خلية بويضة" هو أمر شائع لأن كلمة علق الواردة في الآية تستخدم في أربعة مواضع من القرآن الكريم تتعلق جميعها بعملية نمو الجنين. لكن ثمة تفصيل هام فهذه الكلمة ترد في المواضع الأربعة على نحو علقة إلا في السورة 96 فترد على نحو علق. وهنا لا بد من عكس هذا الفرق على المعنى.

يجب توخي الدقة ذاتها عند الاستفادة من إرث الحديث والسنة أيضا. إذ لا بد من عرض إرث الحديث على القرآن والسنة والفطرة السليمة والزمان (التاريخ) والمكان. وما اعتبار سورتي الفلق والناس من السور المدنية ـ بالنظر إلى روايات نزولهما ـ إلا مثالا نموذجيا للانجراف وراء التيار.

إن موضوعات علم الكلام تدخل إلى معنى النص وهذا الأمر النابع عن التعصب للمذهب والمشرب هو إدخال معنى على النص وليس أي شيء آخر وهو ما نعنيه بقولنا "الانجراف وراء التيار".

6. وجوب مراعاة استخدام المتعادلات في الترجمة

إن استخدام المتعادلات في الترجمة هو أحد العناصر التي تجعلها "ناضجة". وتتجلى مراعاة استخدام المتعادلات عند ترجمة معاني القرآن الكريم في الكلمات النادرة على الأخص. فعلى سبيل المثال ترد الكلمات التالية في القرآن الكريم مرة واحدة فقط: الْمُعَوِّقِينَ: المثبطين (18:33)؛ عُتُلٍّ: الغليظ الجافي (13:68)؛ زَنِيمٍ: المستلحق في قوم ليس منهم لا يحتاج إليه (13:68)؛ دَيَّارًا: أحدا يدور ويتحرك في الأرض (26:71)؛ مُطَفِّفِينَ: المنقصين في الكيل (1:83)؛ كَدْحًا: سعيا وكدا (6:84)؛ رِئْيًا: منظرا وهيئة (74:19)؛ حَنَانًا: رحمة وعطفا (13:19)؛ سَنَا: ضوء ولمعان (43:24)؛ رِيشًا: لباسا فاخرا أو مالا (26:7)؛ قَاعًا صَفْصَفًا: أرض ملساء مستوية لا نبات فيها ولا بناء (106:20)؛ أَمْشَاجٍ: أخلاط ممتزجة متباينة الصفات (2:76)؛ سَامِدُونَ: لاهون غافلون (61:53)؛ لَازِبٍ: ملتزق بعضه ببعض (11:37)...

نحن على قناعة بضرورة عدم مقابلة كلمة وردت مرة واحدة في نص المصدر بكلمة وردت مئات المرات في نص الهدف لأن هذا يعني عدم أخذ محفظة كلمات نص المصدر بعين الاعتبار وعدم مراعاة المتعادلات وبالتالي عدم الدقة في نقل معنى الكلمة.

7. وجوب نقل صوت لغة المصدر إلى لغة الهدف قدر المستطاع

القرآن تحفة البلاغة. ومما لا شك فيه أن إعجاز القرآن يكمن في المعنى الذي يحمله وهو يقدم لمخاطبيه الكلام الإلهي في قالب لغوي. وما التناغم الصوتي في القرآن الكريم إلا زينة الوحي فالموسيقا الداخلية في القرآن حقيقة غير قابلة للإنكار. إن مقصد القرآن الكريم هو الهداية وفن الكلمة وسيلة من الوسائل التي يستخدمها لتحقيق هذا المقصد. أي أن فن الكلمة في القرآن يمثل جزءا من الهدف الذي يريد تحقيقه ويجب على مترجمي القرآن مراعاة الناحية الجمالية فيه ونقل جمالية لغة المصدر إلى لغة الهدف قدر المستطاع. إن التناغم الصوتي زينة النص ويتعين على من يترجم معاني القرآن مراعاة نقل صوت الكلمات بنفس الدقة التي يتوخاها عند نقله المعنى من لغة المصدر إلى لغة الهدف.

ترجمة الكلمة أمر صعب أما ترجمة الصوت فأمر أصعب بكثير. وإذا كان النص المترجم معجزة باقية كالقرآن فإن هذه الصعوبة تزيد أضعافا مضاعفة. إن إجادة لغة المصدر ولغة الهدف ولغة النص ـ التي تعتبر الأقانيم الثلاثة للمترجم ـ أمر غير كافي مثلما يعتبر العقل السليم والقلب السليم شرطان غير كافيان وحدهما ويجب أن يضاف إليهما الذوق السليم أيضا. إن المضمار الذي ستتنافس فيه ترجمات معاني القرآن الكريم من الآن فصاعدا سيكون مضمار الفن أكثر من مضمار المعنى.

خلاصة الكلام

القرآن والإنسان كالبذرة والأرض.

كل مؤمن هو مخاطب مباشر ـ وليس غير مباشر ـ للقرآن. وأن يكون المرء مخاطبا مباشرا للقرآن يعني أن مسؤولية فهمه واجب مناط بعنق كل مؤمن. وهذا لا يعني أن كل مخاطب سيفهم الشيء ذاته من القرآن بل كل واحد سيفهم منه على قدر إيمانه وعلمه وإخلاصه وجهده وهمته.

كل ترجمة لمعاني القرآن هي مرتبة على درب فهمه جديرة بالتهنئة. وكثرة التراجم ليست هماً بل بركة، ليست سببا للشكوى بل سببا للشكر. إن ترجمات معاني القرآن الكريم هي زهور متفتحة في حديقة القرآن الخاصة وإن اختلفت روائحها وألوانها وملمسها وشكلها تبقى الحديقة التي أزهرت فيها حديقة واحدة هي حديقة القرآن الذي يعتبر جنة الكلام. والمطالبة بأن تكون جميع زهور هذه الحديقة هي عينها أمر يناقض قانون التنوع والاختلاف. والأمر ذاته ينطبق على فهم القرآن بصور مختلفة.

لو أن الله أراد لنا أن نفهم الشئ ذاته من وحيه لتكفل بقراءته كما تكفل بتنزيله. يقول الصحابي أبو الدرداء: "لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجوهاً". وإن وصف نبينا عليه السلام القرآن بأنه "ذو وجوه" لهو إشارة غير مباشرة إلى أن معاني القرآن لا يمكن أن تنضب. والنتيجة التي يستوجبها تعدد المعاني هي قراءة منفتحة على عدة معاني فنزول القرآن الكريم تم مرة واحدة وانتهى لكن تنزلاته ستستمر حتى قيام الساعة. وهذا هو هدف وجود المتشابهات في القرآن الكريم. يقول الزركشي في كتابه البرهان: "لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودعه الله في آية من كتابه لأنه كلام الله وكلامه صفته وكما أنه ليس لله نهاية فكذلك لا نهاية لفهم كلامه وإنما يفهم كل بمقدار ما يفتح الله عليه" (البرهان I، 19).

إذا أقيمت رابطة حياتية بين القرآن وقارئه فإن القرآن سيبوح له بأسرار حياته. ولقد كان ابن القرآن ابن مسعود يرى في كتاب الله أرضا خصبة للحرث: "من أراد العلم فليثور القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين" (البرهان I، 28). وبالطبع لا يعني هذا أن يتقول المرء على القرآن ما يشاء. يقول الغزالي: "من ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن يدعي البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب" (إحياء علوم الدين I، 292).

أن يُقال عن ترجمة ما لمعاني القرآن "إن هذه الترجمة هي نقطة النهاية ولا يمكن أن توجد ترجمة بعدها يعني ارتكاب خطأين فادحين: 1) وضع الترجمة مكان النص. 2) القول بأن النص قد استُنفذ. وكل من هذين الخطأين أفدح من الآخر فكل ترجمة لمعاني القرآن هي "معالم" على طريق فهمه.

***

حمدا سرمديا أبديا لله الذي فضل على الإنسان بأن نزَّل له القرآن ووضع فيه المجاز والمتشابه وبفضل ذلك بات عقل الإنسان مظهرا لتجلي الكلام. وحمدا له أن أضفى بكلامه قيمة على كلام الإنسان وأحيا كلماتنا الميتة بالروح التي نفخها في كلامه. نترك الكلمة الأخيرة لجلال الدين الرومي الذي يقول: "يفهم كلُّ قارئ على قدر نُهْيَتِهِ".

- إن خطابا لا يُفهم معناه لا يمكن عيشه لذا يعتبر فهم القرآن فريضة فما لا يتم الواجب إلا به هو واجب.

- ترجمة القرآن الكريم هي الخطوة الأولى التي تُمكِّن غير الناطقين بلغته الأصلية ـ العربية ـ من فهمه.

- إن ترجمة القرآن ونقل معانيه إلى لغة أخرى مسؤولية كبرى تلزم من يتحملها بضرورة اتباع المنهجية.

- قد تتعرض المعاني على درب نقلها من المصدر إلى الهدف إلى حادث قد يتجلى في أحيان بتوسيع المعنى وفي أحيان أخرى بتضييقه وفي كلتا الحالتين يكون الحيد عن المعنى هو النتيجة.

- يقدم لنا النص أكثر من معنى ولدى اختيارنا أحد هذه المعاني دون الآخر قد يضيع معنى نص المصدر.

- إن عدم الإشاحة عن إرث العلم التقليدي لا يعني تقديسه ولا يعني إطلاقا تكراره بحذافيره.

- الفهم هو فعل يكون فيه الإنسان فاعلا وليس مفعولا به والفهم بهذا المعنى هو تأسيس حوار بين فاعلين: القرآن والإنسان.

- إجادة اللغة والتمتع بعقل وقلب سليمين شروط غير كافية وحدها بل يجب التمتع أيضا بذوق سليم. إن المضمار الذي ستتنافس فيه ترجمات معاني القرآن الكريم من الآن فصاعدا سيكون مضمار الفن أكثر من مضمار المعنى.

- لقد نزّل الله القرآن على الإنسان وبفضل المجاز والمتشابه جعل عقل الإنسان تجليا لكلامه وأضفى بكلامه قيمة على كلام الإنسان.

 

© 2010 Kuranihayat.com

İzinsiz ve kaynak gösterilmeden kullanılamaz. Ancak kaynak gösterip link vererek kullanabilirsiniz.

 

Aktif Medya